ترميم مسجد رابعة.. دفن آخر ملامح الثورة

مدونات - مسجد رابعة العدوية
مسجدٌ شهِدت مَأذنته على ثورةٍ سُجّلت في تاريخ مصر العظيم والتي لن تمحى منه أبدًا، وكيف لأثر الحق أن يمحى؟! وكيف له أن يُنسى؟! حتى أعداؤه لم ينسوا هذا الحدث الجلل، رغم كل محاولاتهم في طمس معالم تلك الثورة، رمموا المسجد وأغلقوه لئلا يتذكر أحد ذلك الاعتصام، ليعتبروه مجرد "أعمال شغب" لمن هم ضد سلطة الجور والطغيان، وليغلقوا الباب في وجه كل صاحب فكر وعقيدة أنْ لا تجرؤ على الدخول إيّاك ومحاولة رفع رايةٍ تهدد بزوالنا، فدائما تراهم يحذرون من خطر الاقتراب، ويقتلون كل من يتجه في طريقٍ يخالفهم، وهذا ليس غريبًا على أهل الطغيان وحلفائهم ويبدو جليّا في سجلاتهم على مر التاريخ.

  

 فهذا هو فرعون يُصدِر أمرًا يبتغي فيه قتل كل فتى يولد خشية أن يزلزل عرشه، فقد علم مسبقًا أن نشأة هذا الطفل ستكون إشارة قوية لاقتراب نهايته : "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَالْمُفْسِدِينَ"، فعَلا وتجبّر وطغى ونشر الفساد وحرَم كثير من الأمهات أطفالهم وفلذة أكبادهم، فجعل يقتل عام ويترك آخر، وشاء القدير أن يولد موسى عليه السلام في العام الذي فيه عام الذبح، وحكمة الله وقدرته قضت بأن يتربى وينشأ بين أحضان فرعون، خير البشر آنذاك ونبي الله قَوِي عوده وصلُب أمام أعين شر خلق الله! 
 
قصة فرعون ستبقى تتجدد في كل عصر "حتى يرث الله الأرض ومن عليها"، هو صراع بين الحق والباطل، صراع أبدي لا هوادة فيه ولا نهاية له إلا بزوال هذه الدنيا والتي خلقنا فيها لنوحد الله ونؤمن به حق الإيمان، لكنّ هناك أقوامًا أعرضوا عن ذلك كله، انتكست فطرتهم واسودت قلوبهم فحادوا عن الطريق وشنوا الحرب على كل سويٍّ موحد! "ويَمْكُرون" ويخططون لاعتراض طريق الرسل ومن تبعهم على الهدى " ويَمْكُرُ الله واللهُ خير الماكرين " وهو القادر على إظهار عجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم فيَدَعَهُم في سبيلهم يعمهون حتى يُهيّئ الأسباب ويصنع كل ذي حقٍ على عينه حتى لو في حجورهم وبين زوايا بيوتهم، فيعدّون العدة ويزكون أنفسهم لتلقي أوامر الله ونوره على بصيرة وهدى "فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا"، وفي نهاية المطاف "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ".

 
undefined

 

وهذا المسجد منه بدأ ظلم الطاغين وفيه سينتهي على يد قوم لا يخافون لومة لائم، واغلاقه ومنع الصلاة فيه إشارة ودليل على أن الثورة أثرها لا زال محفوظًا،  دليل على أن طيفَ تلك الأحداث لا زالت تجري في المكان! ولا عجب؛ إنّ الأرض لتميز طيّب الخطى الذي يطأُها فتحفظ آثاره وخُطى كل من ساروا على دربه ومعه، وإليه ستعود الأنوار وسيصدح بـ "الله أكبر" من جديد، أما الطغاة" يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" لا يعلمون بأن كلمة الله هي العليا، وأنها حاضرة رغم كل ما يغيب، باقية رغم كل ما يزول، ثابته رغم كل ما يتغيّر.

إن استبداد الظالمين لا يمكن له أن يبقى مهما طال عليه الزمن، ومهما اشتد عوده وقويت شوكته، فطالما قوته مرتكزة على أمور الدنيا الفانية فهو فانٍ لا محالة، أما أولئك الذين عاهدوا الله بأنهم لا يبغون سواه ولا يرضون إلا برضاه "-رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ- الذين اصطفاهم وجعلهم أهلًا للحق ينتصرون له، يحملون همه، ويجتمعون حوله، "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ" ذلك هو الفوز العظيم. وحيث أن النصر العظيم يحتاج لإعداد عظيم، فيقول سيد قطب في تفسير قوله سبحانه "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ": إنه لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان.. وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة: أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها، فلا يصدوا عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها.

  
"وفي مرحلة الإعداد والتجهيز وبعد أخذ الكتاب بقوة وبعد بناء النفس والروح على عقيدة صحيحة، عقيدة التوحيد الهدف الأسمى والأول لكل مؤمن فإنه " لابد من فدية، لابد من بلاء، لابد من امتحان؛ لأن النصر السهل لا يعيش، لأن الدعوة الهينة يتبناها كل ضعيف، أما الدعوة العفية الصعبة فلا يتبناها إلا الأقوياء ولا يقدر عليها إلا الأشداء" (سيد قطب) .

ذلك هدى الله وتلك طريقه، وهذه هي نهاية الظلم وطغيانه أفلا تتقون!