الحلم والأناة.. أخلاق غائبة عن مجتمعاتنا المسلمة

BLOGS حوار هادئ
إن الأمة الإسلامية في هذا الوقت من هذا الزمان، تواجه موجة كبيرة من تيارات زائفة للأخلاق وقيم مستمدة من غير ما نص عليه ديننا الحنيف، والتي انعكس مفهومها على جيلنا الحالي من غير أن نفقه ما نحن آخذيه ومُشبِّعي فيه أجسادنا وأرواحنا. فنحن بأمس الحاجة إلى أن نتحلى بأخلاق ديننا الحنيف وبآداب إسلامنا، وأن يكون المسلم فينا مميز عن غيره بدينه وبلبسه وبكلامه وبأخلاقه. وهذا ما جاء به رسولنا الكريم ليُتمِّم مكارم الأخلاق وليهدي الناس إلى سواء السبيل.

وصلاح هذا الدين وصلاح هذه الأمة لا يتم إلاَّ بصلاح الإنسان المسلم الذي في تحلِّيه لأخلاق هذا الدين يكون فيه صلاحه في دنياه وفي آخرته، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد:11. ومن هذه الأخلاق التي يتميز فيها الإنسان المسلم عن غيره وهي… خُلُق الحِلْم والأناة، فأقول:

معنى الحِلْــم:

الحِلْم بالكسر: وهي الأناة والعقل، ونقيضُهُ… السَّفَه، والأناة: هي ترك العَجَلَة. قال الراغب: الحِلْمُ ضبط النَّفس والطبع عن هيجان الغضب وجمعه أحلام. وبذلك نلخص الحِلْمُ بأنه: الأناة والتسامح والصفح وإمساك النفس عن الإسْتِشاطَة في الغضب، ومَلك الجوارح عن إيقاد جمرة الشّر، والسُّكون والهدوء عند الأحوال المثيرة للانتقام، والتثبت وترك تعجيل إنفاذ الحُكم، لما في ذلك من وقوع الندم ولا سِيِّما مع تمكن القدرة، وتوفر القوة، فلا يكون العاجز عن الصَّفح حليماً، فهو خُلْقٌ من أمَّهات الأخلاق بل هو سيدها وأحقها بذَوي الألباب، لما يدل عليه من كمال الإيمان وسِعَة الصدر وحب العفو والإحسان، وهو علامة على كمال العقل وتصريفه الأمور بحزم ورَوِيَّة، وسيطرته على ثورة الغضب، وإخضاعها لسلطانه الواعي الحكيم.

الحِلْم والحَليم اسم وصفة من صفات الله عز وجل:
الحِلْمُ من الخصال العظيمة والحميدة التي يريد الله من عباده أن يتخلَّقوا بها ويتَّصفوا بها، وهي خصلة يحبها الله ورسوله

لقد ورد اسم الحليم في حق الله عز وجل إحدى عشرة مرة منها: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) البقرة:23، وقوله تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) البقرة:263. قال إبن جرير: حليم يعني أنه ذو أناة، لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم. وقال الخطابي: هو ذو الصفح والأناة، الذي لا يستفِزُّهُ غَضَبٌ، ولا يستخفُّهُ جهل جاهلٍ، ولا عصيان عاصٍ.

وعلى ذلك نستخلص معنى الله الحليم: أي الصبور الذي لا يستخفُّه سبحانه عصيان العصاة ولا يستفزَّه الغضب عليهم، لأنه لو أراد أخذهم في لحظة عصيانهم لأخذهم في كن فيكون، ولكن الله يحلُمُ عليهم ويؤخرَّهم إلى أجلهم الذي يوعَدون. والله الحليم الذي لا يعجل بالانتقام من عباده المجرمين العُصاة ليفسح لهم مجالات التوبة والندم والإنابة إلى الله عز وجل، وليقيم الحجة عليهم بأنهم لم يُصلحوا قلوبهم وأعمالهم بعد حلمه الطويل عليهم. قال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) الكهف:58، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) فاطر :44.

حِلْمُ الأنبياء:

يجوز إطلاق صفة الحِلْم على الخلق، فقد وصف الله عز وجل أنبياءه بذلك، قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) التوبة:114، وقال عن شعيب عليه السلام: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) هود:87، وعن إسحاق عليه السلام: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) الصافات:101. فقد كانوا أنبياء الله من أشد الناس حِلْمًا وصبراً على أقوامهم من الكفار والمشركين وعانوا منهم العناء الكبير، والشاهد في ذلك ما عاناه رسولنا الكريم في حياته من آلام وأحزان صلوات الله وسلامه عليه.

فلقد آذى مشرِكو مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما اشتد أذاهم خرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف يلتمس النُّصرة من ثقيف وأن يدخلوا في دين الإسلام، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف، عَمِد إلى نفر من سادة ثقيف وأشرافهم، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله فاستهزؤوا به صلى الله عليه وسلم وأغَرُّوا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، ويرجمونه بالحجارة، حتى أُدميت قدماه الشريفتان وفاض قلبه ولسانه بدعاء شكا فيه إلى الله ضعف قوته، وقلة حيلته، وهوانه على الناس، فأرسل الله إليه مَلَك الجبال يستأذنه في أن يطبق الأخْشَبَيْن – الجبلين اللذين بينهما الطائف – فقال له عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً). وهذا الحِلْم كان من أسباب نجاح الدعوة الإسلامية.

الحِلْم من أشرف الأخلاق والصفات، وأحقِّها بذوي الألباب والقلوب المتعلقة بالله، لما فيه من سلامة العِرض وصَوْنِه، وراحة الجسد ورُكونِه، واجتلاب الحمد والتَّنعُّم بالمغفرة
الحِلْم من أشرف الأخلاق والصفات، وأحقِّها بذوي الألباب والقلوب المتعلقة بالله، لما فيه من سلامة العِرض وصَوْنِه، وراحة الجسد ورُكونِه، واجتلاب الحمد والتَّنعُّم بالمغفرة

حِلْمُ الإنسان المسلم:

الحِلْمُ من الخصال العظيمة والحميدة التي يريد الله من عباده أن يتخلَّقوا بها ويتَّصفوا بها، وهي خصلة يحبها الله ورسوله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأَشَج بن القَيْس: (إنَّ فيك لَخصلتين يُحبُّهما الله: الحِلْمُ والأناة) رواه مسلم. قال القرطبي رحمه الله : "فمن الواجب على من عَرَفَ أن ربَّهٌ حليم على من عصاه، أن يَحْلُمَ هو على من خالف أمره، فذاك به أولى حتى يكون حليماً فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سَوْرة غضبه ويرفع الانتقام عن من أساء إليه، بل يتعَوَّد الصَّفْحَ حتى يعودَ الحِلْمُ له سجِيَّة. وكما تحب أن يحْلُمَ عنك مالِكُك، فاحلم أنت عما تملك لأنك متعبِّدٌ بالحِلْم مثابٌ عليه. قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) الشورى:40، وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) الشورى:43″.. انتهى.

روى محمد بن حارث الهلالي، أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا محمد، إني أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف:199. وروى سفيان بن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه هذه الآية قال : (يا جبريل، ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالِم، ثم عاد جبريل وقال: يا محمد، إنَّ ربَّك يأمُرك أن تصل من قَطَعك، وتعطي من حَرَمَك، وتعفو عمَّن ظلمك).

فالحِلْم من أشرف الأخلاق والصفات، وأحقِّها بذوي الألباب والقلوب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، لما فيه من سلامة العِرض وصَوْنِه، وراحة الجسد ورُكونِه، واجتلاب الحمد والتَّنعُّم بالمغفرة. وقد قال بعض الشعراء عن الحِلْم: أحبُّ مكارم الأخلاق جُهدي وأكرَهُ أن أَعيبُ وأن أُعابا وأصْفَحُ عن سِباب النَّاس حِلْماً وشرُّ النَّاس مَنْ يهوى السِّبابا ومن هابَ الرِّجال تَهَيَّبوه وَمَن حَقَر الرِّجال فَلن يُهابا.