الحزن والجمال يدفعاني للكتابة.. هكذا أجد روحي المفقودة

BLOGS كتابة

أشعر بمخاوفي وهواجسي كيد باردة وخفية تمتد أعلى صدري ورويدًا رويدًا تسلبني الهواء. أخاف أن تنفذ مني كلماتي، أخاف أن تهجرني أفكاري أو أن تتردد عليّ لكن بلا أن أجد القدرة على التعبير عنها، أخاف أن أصير بكماء. أترك نفسي أحيانا أطفو فوق موج الكلمات، تحملني كل جملة للجملة التي تليها، لننساب سويًا على الورقة ونعطي في النهاية لأفكارنا جسدًا رشيقًا. لكن أحيانًا أخرى، يتوقف المد، لأجدني محاطة بماء راكد أحرك ذراعي به حركات عنيفة لألا أغرق، وتصبح الفكرة أحجار ثقيلة متناثرة بلا رابط يجمعها أو شكل يبرز ما بها من معنى. تعلمت أن أصغي لدفق الحروف عندما يهمس لي في أذني بأطياف نصوص، لا يكون عليّ حينها سوى أن أدونها وأرتبها لأجدها قد صارت أمامي كيان متكامل. أما عندما أُهملها، تكف هي عن الاستماع لنداءاتي عندما يحين وقت الكتابة، وتتركني أحاول أن ألتقط العدم وأصنع منه شيئًا.

مارست الكتابة ما يكفي من زمن ليجعل الاستعارات والمجازات تطرأ لذهني بليونة وقت الحاجة إليها. ما لا أثق به هو ما خبرته في الحياة. لازلت أقف منها على الشاطئ بالكاد ابتلت قدماي وبحرها أمامي ممتد وبعيد. أبقى اتوه في دوامات التساؤل: هل يكفيني القليل الذي مررت به والأكثر منه بعض الشيء الذي أعرفه وما يفوقه بكثير مما أشعر به لأرتفه معًا وأجعل منه جسدًا متماسك من كلمات؟ وإن كان لا يكفي، ماذا عساي أفعل إذن؟ أحاول أن أُلقي نفسي في بحر التجربة لأجدني في بركة ضحلة من العادية والملل. هل هكذا إذن هي التجارب، تكتسب معناها وزخمها عندما ننظر إليها من بعيد؟ أم أنه من المفترض أن تسري بها شرارات المشاعر الجياشة وأنا التي لم أجرب ما يكفيني لأخبر هذا؟  

يمتد لي ما في الوجود من جمالٍ عابر حينها كيدٍ إلهية تشدني مرة أخرى لسطح العالم. بعد أن غاب عن عيناي ضوء الشمس لأيامٍ طويلة، يصدم مقلتاي نورها كأعمى يبصر للمرة الأولى

وحتى عندما أجد عندي التجربة، يحاوطني الشك مرة أخرى. أظل اتساءل، في ظل ما تطفح به حياة الجميع من أفكار وخبرات ومشاعر، هل سيكترث أحد لزاويتي البسيطة في النظر للأشياء؟ هل هنالك متسع أصلا لأن أضفي شيء جديد في وسط كل هذا الزخم من كل ما يكتبه الآلاف كل يوم؟ فتلتف شكوكي بجدوى ما أفعل حول رأسي كحبل يخنق ما بها من أفكار. يتشتت تركيزي وينصب جهدي على محاولة التهدئة من روعي لأكتب. لا تُهوّن الممارسة من هول التجربة، فكل مرة تواجهني الورقة البيضاء أشعر كمن عليه أن يقفز في بحر عميق دون أن يعلم هل ستحمله الأمواج هذه المرة، أم ستبتلعه الدوامات.

 

أحيانًا، أجدني لا أقوى على هجر الكلمات، فوحدها الكتابة ظلت تعطي لمحة من المعنى لحياتي وتجعلني أتشبث بها بعض الشيء كرغبة الإنسان المجنونة في البقاء رغم كل منطق يخبره بسوداوية العيش. وأحيانًا أخرى، لا يتوقف سؤال الجدوى عند الكتابة، بل يطاردني في كل ما أفعل كشبحٍ يندس في قلب الأشياء وينتظر أن تمر علىّ لحظة ضعف حتى يجهز في داخلي على الرغبة في الحياة. يقترب من أذناي ويهمس: إن كان كل شيء بلا جدوى، إن كنا سنموت في النهاية وسيأتي يوم ليس ببعيد نُمحى فيه وكأننا لم نكن، فلماذا نُثقل على أنفسنا بألمٍ لا معنى له؟ لماذا نستيقظ من الأساس؟ لنقضي ما بقي من أيام في غيبوبة اختيارية نهرب فيها من كل هذا الهراء.

 

 يتمكن مني أحيانًا ويرديني لجسدٍ هامد مُلقى على السرير، تنطبق أجفانه ومن ورائهما يصيب كل شيء الشلل، وحده موج الحزن يظل يتحرك، وحده موج الحزن يسري في كياني ويصمت ما في داخلي من نبض. يحل حينها سكون شامل لا تتخلله سوى أنّات بسيطة تجاهد لتجعل نفسها مسموعة وتهمس: الحزن سرطان الروح، الحزن سرطان الروح.

 

يمتد لي ما في الوجود من جمالٍ عابر حينها كيدٍ إلهية تشدني مرة أخرى لسطح العالم. بعد أن غاب عن عيناي ضوء الشمس لأيامٍ طويلة، يصدم مقلتاي نورها كأعمى يبصر للمرة الأولى. وفي ضيائها، تغمر كل ما حولي في ومضات كأنها جاءت مباشرة من قلب النعيم. تكتسي أبسط الأشياء بسحرٍ غريب، أراه في زوجين في منتصف العمر يسيران متشابكي الأيدي، أو في ابتسامة عابرة لطفلٍ يُلح على أمه لتبتاع له لعبة، أو في مراهقات يلبسن الزي المدرسي ويتشاركن الضحكة، أو في ولدٍ صغير اسند يده على ساقي لألا يقع. أترك الأرض وأمد بصري للسماء، لأرى مئات السحابات منتشرة على صفحتها تتحرك على مهل وكأنها تؤدي معًا باليه سماوي لجمهور من الملائكة. ينبض قلبي حينها وأشعر وكأني على وشك البُكاء من فرط الجمال.

أو أنني أظل أشعر بضعف يحيل الخروج من المنزل لشيء مستحيل. أعود إلى العمل، وفي الخلفية، استمع إلى الموسيقى الكلاسيكية. لا أعلم ما سرها، لكني وقت الحزن لا أحتمل أن أسمع غيرها فيصيبني أي نغم آخر بحزن أعمق. لشوبان قدرة مُذهلة على التهدئة من روعي، ومؤخرًا، صارت تمدني إحدى مقطوعات شوبرت بالتوازن الذي فقدت.

 

يظل الجمال هو الشيء الأكثر قدرة على رتق روحي. لكنه مرتبط ارتباط لا انفصام فيه في قلبي بالكتابة، وقبل أن يحملني حزن الكتابة واللا معنى مجددًا على انسحاب آخر من الوجود، أظل أحاول أن أتشبث بما وجدت في الجمال من أمل، أظل أجاهد لأقول لنفسي أني جيدة بما يكفي لأعبر عنه، أنصح نفسي بأن تغمض عينها وتتمسك بدفق الكلمات الآتي من بعيد في جوف روحي، أحاول أن أكتم صوت الخوف العالي وأحيله لمجرد صدى في الخلفية، أقول لنفسي، بلا خوف سأكتب عن كل ما في الوجود من جمال، بلا خوف سأمسك خيط الحزن وأصبه في الكلمات. لن أتوقف أبدًا، ربما في لحظة ما في المنتصف، سأنظر حولي وأجد أن كل هذا كل هذا الضيق قد استحال لماضٍ آخر مدفون في آبار النسيان.

 

ربما في يومٍ عابر سأطل من نافذة سيارة وإذا بضباب الشتاء الشفاف يتنفس عبر كل العالم، مضفيًا على كل شيء لمسة تنتمي لدنيا الأحلام. فجأة، سيصبح الوجود أقل واقعية وأكثر خفة، صالحًا تمامًا للطفو فوق الحياة. سيكمل الغمام الأبيض رحلته إلى اللامكان، سابحًا في الخلفية الزرقاء للمشهد، وسيلتحم الطريق الطويل المُستقيم مع المدى الدائري الواسع ويُذيبان معًا حائط النهاية. سيلتف الوجود آنئذ حوّل نفسه ويضمني، أنا ابنة الحياة التائهة بين لا جدوى الاستيقاظ وغواية الوجود العابر، وسأشعر للحظة كما لو أن لكل شيء معنى.