أطفال الحرب.. لقد لخص قهرهم "مخرج"!

blog لاجئ

بين حيرتين كان عالمنا العربي الذي نبَا بِنا خلف الحقيقة وساد. حيرة أخذتنا في الحرب وحيرة حين شرّدتنا. تعود بنا الدنيا إلى المتاهة والظلام تحت القصف والتّهجير تحت صمتٍ عربي بالغ في القسوة كنا نتلظى على نار الأسى والجوع، فالفقر والخصاصة. فطال علينا الأمد واحترقنا لأن الحرب حرمتنا "الحرية" و"الطفولة" والعالم حرمنا "الأمان".

 

بعد أن أحببنا الدنيا، وفرحنا بقدومنا إليها وأخذنا منها الأمل عادت لنا لتأخذ منا طفولتنا، وقلنا "إن النعيم العربي وهم لامحالة". لقد كانت غايتنا كأطفال منذ الولادة البحث عن السعادة بحثا ملحاحا على الطفولة التي لم نتمتع بها. لكن حين اندلع في وطني الحرب أصبحنا نحبذ "النّجاة" فقط. فبين الهرب من الموت والتّمزق فيه، كانت صرخة الإنسان فينا وفي وطني الذي جاء بنا إلى هذا العالم ولم يدرك خطورة الألم الذي سببه لنا الإنسان الشرير نفسه. لكنّ وطني أدرك فينا حتمية الموت فكان يردد بصخب صامت ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد.

 

نحو عالم نقي هم كانوا وكان معهم ذاك المخرج الذي يراهم الحياة ومنبع الصفاء والكثير من البراءة" فالإنسان إما أن يكون البشرية جمعاء إما أن يبقى لا شيء" كما قال "نجيب محفوظ"

إن الحياة لم تكن كما صوّرها لنا معلّمنا في الصف الأول "العالم جميل والسماء زرقاء والعصافير تزقزق" فقد كان الواقع رثُّ الحقيقة، وفظيع جدا. فتحت القصف والغارات التي لا تهدأ فوق رؤوسنا وبين الجوع والعطش الذي كان ينهش أرواحنا الصغيرة كنا نموت ببطيء شديد، فحتى المستشفيات عجزت عن إنقاذ الناس فكنا نسأل الله أن يريحنا من هذا الألم والخوف. لقد حملتُ معي مأساتي بين يدي الباردة وثيابي الممزقة وفي قلبي الصغير ذكرياتي. لوحدي هاجرت وطني وأنا التي فقدت جميع عائلتي، فقدت حنان أمي وابتسامة أبي ولا أنسى أنني فقدت أختي وأخي. لقد عبرت مع الهاربين من القارعة حدود وطني إلى وطن لا ناقة لي فيه ولا جمل وكان الخوف والوحدة تأكلني من الداخل وكنت لا أدري أهذا عناقي الأخير مع وطني أو للقصة فيه بقية؟

 

لقد انكتمت في عيني همسات أجيال وأجيال ضاع عمرها وضاعت أحلامها وما عدت أفهم من العالم سوى أنني "لاجئ" بدون هوية، ثم أني من بلد الدمار. فما أغرب الإنسان وما أصعب أن يتمتع الإنسان نفسه بالإنسانية. هذا الإنسان الشرير الذي قتل عائلتي وكان سبب جوعي وعطشي، الإنسان الذي شرّدني وقصف بلدي وسرق مني فرحتي. فحين هدم ذاك الصاروخ بيتي الصغير الذي يحمل ذكرياتي وأيامي التي تلخصت في خمسة سنين من قدومي فقط قصف ما تبقى لي من ذكريات جمعتنا. لقد ودّعتُ رمضان وجمال العيد في وطني، مدرستي وحارتي وبائع الكعك ولا أدري هل مات أيضا أصدقائي؟ نعم إني أُلقي تحية الوداع على " الشام" برائحتها المميزة، وكنت أتساءل هل ستشرق الشمس يوما في وطني؟
 
لما الحرب؟ لم أجد لهذا السؤال جواب، غير أن أبي قبل الموت كان يردد "من أجل العيش بكرامة" فهل للكرامة ثمن؟ فإذا سألني أحدهم كيف أعيش؟ قلت "أبيع الورد يوما، وأغسل السيارات يوما آخر" وكان المخرج يلاحقنا ويلاحق معنا الحياة ليوثّقها ولطالما " كنت حافية القدمين أرقص مع طفولتي". لقد كان عمي المخرج، أقول له عمي لأنه يكبرنا سنًا وكنت أشم فيه ريح أبي وحنانه، لقد كانت الكاميرا الوسيلة الوحيدة التي يحملها ليصور معاناتنا من أجل العيش بكرامة ولشراء رغيف خبزٍ يسد جوعنا المستميت ولو بسعر بخس، فما أبخس الحياة. في الشتاء كنا نهرب من المطر إلى محطات القطار، نتقاسم الأيام والرغيف والضحك إلى أن يأتي الصباح الباكر لنمشي في الشوارع أملا في بيع الورد للمارة. فمن الناس من يشتري ومنهم من يصرخ في وجوهنا الصغيرة. من المُضحك المُبكي، أن الأطفال الذين تم تشريدهم دون رحمة يصبحون أكثر شهرة فقط لصالح القنوات التلفزيونية لا لصالحهم. تلاحقهم الكاميرات من كل مكان، نحن إذن أمام طفولة لا يكفي أنها سُلبت منها طفولتها بل يتم استغلالها أيضا. طفولة لا تسأل الناس، وإنما تسأل القدر يوميًا عن حال حياتهم القادمة كيف ستكون؟ ويوما عن الحاضر البائس. لهم اليقين المطلق الذي يعذبهم لأنهم يعيشون المأساة. يعذبهم الشوق العارم إلى ذكرياتهم التي سرقت منهم، ويتقون إلى تجاوز أعين المارة التي تترصدهم دائمًا. منهم من يرمقهم بحنية ومنهم من يعتبرهم مصدر إزعاج، ألا رفقًا بهم..

 

بين الكثير من الألم والقليل من الأمل نرسم لهم عالما كما صوره مخرج غير مألوف لكن عالم جميل، لكن الألم الذي في عيونهم تدنينا لتصدنا وتجود لتجحد
بين الكثير من الألم والقليل من الأمل نرسم لهم عالما كما صوره مخرج غير مألوف لكن عالم جميل، لكن الألم الذي في عيونهم تدنينا لتصدنا وتجود لتجحد
  

نحو عالم نقي هم كانوا وكان معهم ذاك المخرج الذي يراهم الحياة ومنبع الصفاء والكثير من البراءة" فالإنسان إما أن يكون البشرية جمعاء إما أن يبقى لا شيء" كما قال "نجيب محفوظ". ربما فهم المخرج هذا أكثر من أي أحد، فاختار أن يلتحق بالمأساة من أجل أن يبلغ رسالة تحمل في داخلها الكثير والكثير من الألم والأمل لهذا العالم الصامت جدا. ذاك المخرج الذي عاش معهم أدق التفاصيل وجمعتهم نفس الرسالة التي وجب أن يراها العالم أجمع. تلك الرسائل العميقة، الصوت والصورة التي تلخص " حياة التشرد" بالنسبة لطفل يتم استغلاله، طفل لا عائلة له ولا هوية، أطفال سوريا الهاربون من الموت إلى الموت نفسه لكن موت على قيد الحياة في وطن ليس مسؤول عليهم.

 
لقد رقصت قلوبهم فرحة ثملة حين وجدو من ينقل لهم معاناتهم، كان المخرج معهم دون ملل أو كلل، يساعدهم ويضحك معهم، يعاملهم كأطفال لأنهم كذلك. يلعب معهم ويشاركهم أحلامهم أملاً منه أن الكاميرا ستغيّر لهم حياتهم وإنها بصيص أمل. فحين تلح قسوة الحياة على تذكيرهم بنفسها في البرد، كانت عين المخرج الغطاء الدافئ لهم. لا شيء أصبح يدفعهم للخوف أو الهروب من الكاميرا، بل أصبحت بالنسبة لهم الحقيقة الوحيدة فهم أصحاب الرسالة لا غير.

  
عندما يبدو كل شيء غامضا بلا تفسير، وعندما يعجز العالم على حمايتهم، كانت عين المخرج تحميهم وتفتح لهم باب النور لاعتناق الحياة. لو بحث فيهم العالم عن أجزاء ذكرياتهم المسلوبة كما بحث عنها المخرج لعاد لهم الوطن والطفولة وربما عادت عائلتهم من الموت. لكن هيهات فصمت العالم أمام ما مر عليهم من تهجير وقتل وسلب أثبت أن العالم كان فقط للأقوى وأن الشر والإنسان لهم نفس زمرة الدم والأطفال هم من دفعوا ضريبة التجاذبات السياسية.

إن قارئ عيون الذين شردتهم الحرب كما قرأها مخرج لا يستطيع أن يصف ألمهم بدقة، تهرب منا الكلمات والنعوت حتى المعاني. فنعانق لطيفهم الصامت أحزانهم الكبيرة دون تردد فهم منا دائما وأبدا. فبين الكثير من الألم والقليل من الأمل نرسم لهم عالما كما صوره مخرج غير مألوف لكن عالم جميل، لكن الألم الذي في عيونهم تدنينا لتصدنا وتجود لتجحد. هكذا حال المخرج مع الأبرياء هو صوتهم وصورتهم وهو الطريق الذي يمرون عليه للحياة وحسبنا من طفولتهم إثارة نقاط الاستفهام وإنارة الضمير العربي. لقد لخص قهرهم مخرج، فكانت طفولتهم بين التشرد وظلم الإنسان صوت وصورة في "عين مخرج".