شعار قسم مدونات

كيف تقتل الشعوب قضاياها بالهراء والتفاهة؟

blogs - revolution

جميلٌ أن تفطن سريعًا أن ما يجري من حولك ما هو إلا مسرحيةٌ كبيرةٌ غيرُ متقنةِ المشاهد والحركات، تجري أحداثها بشكلٍ هزلي مثيرٍ للتهكم والسخرية، والأجمل أن تعرفَ حقيقتها وغرضها من إبقائك مجرد مُشاهدٍ لها غيرَ فاعلٍ على الإطلاق، أو جَعلك أحد أفراد "الكومبارس" فيها لإحكام بعض مشاهدها السخيفة!

لكن الغريب أن تكون مدركًا لكل هذا وإذ بك ترضى بأحد الدَوْرَين!، فتبقى ذلك المشاهد الساخر المستمتع بأحداث المسرحية، مُلقيًا الكثير من النِكات والعبارات الساخرة على تلك المَشاهد والأحداث رغم تأثيرها الكبير عليك ونتائجها التي تحدد ظروف حياتك ومعيشتك، فتجد نفسك -عُنوة- أحد أفراد المسرح الفاعلين بدلًا من أن تكون ساعيًا لهدم جدران المسرح برمته! عملية إنتاج الفكاهة لبث المرح في النفوس شيءٌ حسنٌ -ولا ريب، لكن أن يتم إنتاجها على أنقاض أرواحٍ منهكة وأحداثٍ مؤلمة قد يجعل من الأمر ضربًا من ضروب السُخف والعَتَه.

فكثيرًا ما تقرأ خبرًا محزنًا أو ترى مشهدًا قاسيًا يُضمر فيك ألمًا وغضبًا شديدًا؛ وما هي إلا دقائق معدودة على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي وتجد وجهك العابسَ صار ضاحكًا مُرسل "القلشات" والنكات على خبرٍ آخر وربما على الخبر أو المشهد ذاته الذي آلمك من قبل!، لينتهي بك الأمر تراقب ردود أفعال الأصدقاء وتعليقاتهم على منشورٍ ساخرٍ كتبته او شاركته، حتى صرنا لا نعرف كثيرًا من الأخبار الا بعد انتشار النكات عليها!

من الطبيعي أنه عند حلول الأزمات والمصائب العامة أن يعود الناس إلى ما يدفع عنهم تلك المصائب فلا الكلمات الساخرة على شبكات التواصل الاجتماعي سترفع الغلاء وتزيح الكارثة ولا الرسم على الحوائط والجدران سيفيد بشيء، خاصةً في ظل هذا النظام العالمي العقيم! لوقع الأحداث وتراكمها في النفوس طاقةٌ كامنة من ردود الأفعال، وعليه فإن الأحداث المخزية لها وقعٌ مؤلم، والذي بدوره يُكَوِّن طاقةً تتحرر في صورة رد فعل متوقع على الحدث المؤلم، والذي من الطبيعي أن يكون رد فعلٍ غاضبٍ بدرجةٍ من الدرجات.

السخرية المستمرة صارت أزمةً أخلاقيةً مستديمة!، وهُراءً قاتلًا يلتهم التجارب والأفكار، يلتهم الغضب والثورة، ولا يُورثُ مع الوقت الا مزيدًا من القسوة والألم والإحباط

إن عملية استهلاك تلك الطاقات الكامنة في انتاج الدعابة والفكاهة عن طريق السخرية من الأحداث، أو التنفيس عنها بأي صورة افتراضية؛ تُعد مهربًا لصاحبها من الضغط النفسي والعصبي الذي قد يسببه تلاحق الأحداث المخزية والظروف الصعبة، كما تُعد تنفيسًا غير مشروعٍ أخلاقيًا -في نظري-لطاقات الغضب!، فالميثاق الأخلاقي يُحتم بأن الحدث المُغضِب لابد أن يكون له رد فعلٍ غاضبٍ وإلا فإنه يعكس بدرجةٍ كبيرةٍ قدرًا من الضعف والهوان في نفوس أصحابها.

لا ريب أن انتشار السخرية بهذا الشكل الواسع في المجتمع السخرية المستمرة من الأحداث تُفقدها قيمتها وأهميتها والشعور بخطرها الحقيقي على المتأثرين بها؛ فترى الشعوب تظلُ تسخر من حكوماتها الفاشلة ويؤلفون في سبيل ذلك كتبًا ودواوينًا من "القلش" والنِكات؛ حتى تراهم يُسرقون خِفيةً وعلى العلن وتُنهب كل ثرواتهم بل وتُقتل فئاتٌ منهم.. وهم يضحكون!

إن عملية النقد الساخر يجب أن توافقَ حدثًا يتحمل السخرية بقدر، وإن لم تتزامن مع ردِّ فعلٍ حقيقيّ فيجب أن تكون الداعية إليه لا بديلةً عنه. ذلك الهراءُ المتزايدُ في الآونة الأخيرة في أواسط المجتمعات وجد من شبكات التواصل الاجتماعي بيئةً رطبةً و فعَّالةً، فالشباب المنهك نفسيًا مما رآه من سلاسل الفشل المتلاحق مؤخرًا للحركات الثورية الشابة أصبح لا يجد سوى النِكات و "القلشات" متنفسًا له، لكن تَعوُدهُ عليها صار قاتلًا لحماسه وغيرته و مخزيًا لكثيرٍ من مبادئه.

ذلك أن الأمر تخطى كونه مجرد كلماتٍ تُخفف من وطأة الأحداث السياسية، بل أصبح لدى البعض أسلوبًا اجتماعيًا لا يُفرقون فيه بين موقف قد يتحمل السخرية وآخر لا يقبلها ولا تجوزُ فيه بشكلٍ من الأشكال، فصرنا نرى انتشار صور السخرية من أعراق الناس وألوانهم ولهجاتهم ووضعهم الاجتماعي ناهيك عن انتماءاتهم المختلفة! السخرية المستمرة صارت أزمةً أخلاقيةً مستديمة!، وهُراءً قاتلًا يلتهم التجارب والأفكار، يلتهم الغضب والثورة، ولا يُورثُ مع الوقت الا مزيدًا من القسوة والألم والإحباط فوق ما تورثه الأحداث نفسها من قسوة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.