شعار قسم مدونات

أنا المنتشرة

مدونات - لاجئة
استيقظت اليوم.. منتشرةً! هكذا قرّر وزير الخارجية اللبناني تغيير جزء من هويتي عندما وقّع قرار تغيير اسم وزارته من وزارة الخارجية والمغتربين إلى وزارة الخارجية والانتشار. الغربة والاغتراب تحمل معاني سلبية بنظر الوزير. تحمل أوجاعاً لا يريد ان يتذكّرها وهو يدخل مقرّ الوزراة صباحاً. يريد اسماً يبعث على التفاؤل، لا يذكّر بالمشاكل التي دفعت باللبنانيين إلى الهجرة أو التهجير. الوزير شخصٌ إيجابي، قلبه السعيد لا يتحمّل أن يُثقل بعقودٍ من الصراعات والنزاعات، بالفقر والبطالة. يريدنا منتشرين رافعين راية لبنان حول العالم. يريدنا كالفينيقيين الذي صدّروا الأبجدية. نشرّع راياتنا ونبحر لنغزو العالم بروح اللبناني الفذّة، بنظر الوزير. الهجرة فيها فراق وهجر. الاغتراب فيه بُعد وغرابة. الانتشار وحده كتعبير يُفرح الوزير لأنّه لا يذكّره إلا بفوائد الاقتلاع من الوطن.

 

استيقظت اليوم إذاً منتشرة

حاولت، صدقاً حاولت، أن ألمس الإيجابية في وصفي الجديد. أن أشعر بإيجابية الغربة. أن أضع لائحة بما سأنشره على العالم الذي أتواجد فيه. لكنّني وجدت نفسي منتشرةً حدّ البعثرة.. الشتات.. أين هو هذا الوطن؟ هذا الوطن الذي عليّ أن أساهم في انتشاره؟ هذا الوطن الذي يغرق في النفايات، ليس فقط مجازاً. هذا الوطن الذي يتقاسمونه مع أبنائه غداة وليمة الانتخابات؟ هذا الوطن الذي نغنّي لأمجاده ونحن نعيش سقوطه في حضيض الفساد والنفاق والطائفية والأحقاد.

 

تقتلنا العلب رويداً رويداً، ويقتلنا ذلك الوطن الأوّل الذي نفانا فيها. ما هي هذه الأوطان التي تقتل أبناءها؟ وما هي هذه الأوطان التي تفتح لنا ذراعيها؟

ما هو وطني أنا المغتربة حتّى عن الاغتراب؟ وجدت في غربتي كلّ ما كنت أحلم به، ثم استيقظت يوماً ما وجدتني أغرق تحت حمل كلّ ما هربت منه. كيف تنجو من أوطان قاتلة؟ تزرع خناجرها فيك ثم تقذفك عبر المحيط؟ بعيدة عنك تلك الأوطان جغرافياً، لكن أقرب ممّا تعتقد. يقولون أقرب الأوطان إلى القلوب هو ذلك الذي عشت فيه طفولتك. أعود إلى مدينة طفولتي، ألفّ شوارعها فأجدها لم تعد تشبهني. وهل كانت حقّاً تشبهني؟ حتّى الجدران التي تركت عليها بعضاً من طفولتي تختفي. أعود فلا أجدني ولا أجد الوطن.. ولا الطفولة.. أنا لم أعد هناك، ولم يعد هناك ما يدلً على أنّي كنت هناك. لم يبقَ إلا هذا الحزن الذي يسود كلّما سمعت أخباراً سيئة عنها، أو الغضب الذي يشتعل كلّما ورد إلى أسماعي كمّ الاستهتار بها والاستخفاف بناسها. حتّى الناس، أذهب وأجول بينهم كالسائحة، أرى فيهم عالمي الموازي لو لم ارحل، ولا يرونني. أحملهم في قلوبي وأعود، دون أن يلحظوني. أسرق من همومهم بعضاً من وطنٍ يغرق، ولا يعرفون.

 
أنا كائنٌ غير مرئي، لا يترك في الرض أثراً، يمضي دون خطى.
أنا كائنٌ يطفو خارج المكان.
مواطنةٌ لهذا العالم. النسخة العصرية من البدو الرحلّ.
كالغجر، أجد روحي تائهة وهائمة، لا يمكن أن يملأ فراغها سوى نفس ضائعة مثلها..
نهيم ونهيم، نقلّب الوجوه كصفحات الكتب. ثمّ يأتي وجه في الزحام يقول لك "أنا الوطن".
هذا هو الوطن! تحطّ رحالك فيه وتستريح استراحة محارب قبل أن يحين وقت الرحيل مجدداً.
هكذا يصبح الوطن! أرواح ثائرة تتعانق لحظات مسروقة ثم تفترق لتعود إلى ذاتها المروّضة. نسختها العصرية ودورها المقولب والمعلّب.

 
تقتلنا العلب رويداً رويداً، ويقتلنا ذلك الوطن الأوّل الذي نفانا فيها. ما هي هذه الأوطان التي تقتل أبناءها؟ وما هي هذه الأوطان التي تفتح لنا ذراعيها؟ من قال لهم إنّه لا يكفينا أن نهيم في بعضنا البعض؟ لا على الأرض ولا في السماء. في تلك المساحة بينهما. كراقصي السيرك، معلّقين، ندور ونلفّ إلى أن نتلاحم لحظات. ثمّ نعود ونفترق. أرواحٌ تائهة قريبة قرب النفس وبعيدة بعد السراب. تلتقي في الثورات فقط، حين يكون كلّ شيء على شفير الانهيار. حين نقف أمام الإعصار ونبتسم أمام جمالية الأمكنة وهي تُقتلع من جذورها بأعلامها وحدودها المرسّمة والمتنازع عليها.. تطير وتتناثر وتتبعثر مثلنا.
   
الوطن لأمثالي ليس أرضاً وركن حجر. الوطن وهمٌ حدوده أكبر من هذه الأرض. أكبر من الانتشار. الوطن وجعُ جرحٍ لا يلتئم وخنجر لا يُنتزع.