الغدُّ.. الكل يخشاه والكل ينتظره!

blogs - free

الغد ُّعمره لا ينتهي أبداً، يخلع عباءاتٍ لا تنتهي أبداً ويرتدى أُخريات ليظل دوماً اسمه الغد. أطول المخلوقات والموجودات عمراً، مُحال أن يسبقه أحد، أو يَلغى وجوده أحد، هو خالدٌ كخلود الله غير أنّ الله ليس كمثله شيء. ينتظره الكل، الشقي والسعيد والغنى والفقير والقوى والضعيف، الملوك والصعاليك، راغبون في فضله وستره خائفون من بطشه وفضحه. فكيف نربحه لنسعد ولا نخسره فنشقى؟

  

يعيش الفرد في وطنه، له حقوق وعليه فروض، فإذا أدى فرائضه ونال حقوقه فستدور عجلة حياتهم نحو الازدهار والرقى والسيادة، يبنون جنّتهم فيه لبنة لبنة، فينكشف عنهم وجه غدهم الجميل، أولئك الرابحون. وإذا قصّر أحدهما أو كلاهما في الفرائض والحقوق فستدور عجلة حياتهم نحو التخلف والانحدار والشقاء، يؤجّج لهم الجحيم وينكشف لهم وجه غدهم القبيح، أولئك الخاسرون. والتاريخ والأديان تكلموا عن أمم صال وجال طغيانها، ثُمّ ما لبثت أنْ ذابتْ ولُعنت ليس بألسنة الأخرين فحسب، بل بألسنتهم هم، ثُمّ دُونتْ في مذابل التاريخ تتأفّف الأُنوف من سيرها.

 

كما تحدثوا عن أمم ٍعمّ وانتشر خيرها، فتعطّرتْ الأُنوف بطيبها وطَرِبتْ الأسماع بشدوها، ودُوِنتْ في صفحات التاريخ الناصعة البياض فقُدِستْ وبُجلتْ. كلٌ سلك الدربين، درب الخير ودرب الشر، ورنين الذهب ليس كرنين الفخار، فنالوا من الغد ما يستحقون. فربح من ربح وخسر من خسر. في كل الأحوال فالغدُّ غيبٌ مجهولٌ، غير معلوم الملامح، لكننا قد نحدده، مجهول أسمه لكننا قد نكنيه، يحمل في قسمات وجهه كل الأشياء ونقائضها، الشر والخير، الشقاء والنعيم، المنع والعطاء، الشمال واليمين، لكننا قد نتحاشى شره، ونركن إلى خيره، فنملكه ولا يملكنا. لكنّ الشيء الوحيد الثابت والخارج عن إرادتنا بالكلّيّة، أنّه خالدٌ مفروضٌ علينا كُتب لنا وكُتبنا له، فلا نستطيع أن نلغيه.

 

هيّا معاً، لنبحث عن الغدِّ الأكبر، كل أيامه الدنيا تتشابه، تطيب لنا تارة وتؤلمنا تارة أُخرى، تعزّنا وتذلّنا، تهبنا وتنزعنا، ترفعنا وتخفضنا، تسعدنا وتشقينا، لكنها كلها فيه "الغد"

زهدنا الماضي فقد طُويتْ صفحاته، ونعيش صفحات الحاضر نسعد بأفراحه ونشقى بأوجاعه، ورغبنا الغدَّ نجاة من شرٍّ، وأملاً في خير، فهو المهيمن والمخيف على النفس لما يحمله من غيب ومجهول. الكلُّ يخشاه "الغدّ"، الكلُّ يرجوه، الكلُّ يتقرب إليه بقدرة الربِّ، جاعله وموجده. فهل الله قُرباناً له، أم احتمينا بالله من شرِّه، أو رجونا خيره تحت مظلة قدرة الإله. يجب أن نتعلم من ماضينا الموجع لنستسقي ترياق اليوم فنبرأ في الغدِّ، أو ماضينا الممتع فنستسقى المزيد من كؤوس اللذّة اليوم فننعم كذلك في الغدِّ.
   

أيُّها العالم الواحد، أتخافونه؟

لا تخافونه إذا تحاببتم، اذا تراحمتم، إذا أخلصتم، تحازوا معاً ولا يَطغَى أحدٌ على الأخر، قفوا له رحماء أعزّاء تجدونه مِطواعاً رؤوفاً. بينكم، بينكم، كسّروا قيود الرقِّ، افتحوا قضبان الحبس، واثقبوا طبول الحرب، وارفعوا رايات السلم، أحرقوا أجساد الشياطين، واركنوا على جُنبات الملائكة، هيّا لا تتردوا حتى لا يضنّ عنكم غد كم بالرحمة والنعيم والسعادة. امضوا نحو الشمس، وتزيّنوا بزينة القمر، وابذروا الزهر، واسقوا الزرع، واحملوا الكَلَّ، واكسبوا المعدوم، امسحوا عرق جبين المكدود، هيّا افعلوا ما تُؤمرون لنبنى هنا وهناك، نبني عالم الغدِّ الجميل، عالم الفضيلة.

 
 
نعمل على الدرب متفائلين لا متشائمين، ننشد في طلة الفجر السِقاء، وفى نور الشمس الضياء، وفى قطرات السماء غيث السحاب، لابد أن نرى كل شيء في الكون جميلاً حتى نحيا، حتى نعيش، حتى تستمر عجله الحياه في أمنٍ وهدوء.

 

يا ابن الوطن، ارفع سلاحك على مستعمرك وانتفضْ، تنل عزّك وعزّ بنى وطنك في غدك.
يا حبيس القضبان، ليكن دعاءك وصبرك مِعْوَلاً يهشّم أجساد ظالمك وحابسك، فتظفر في غدك.
يا ابن الرقّ، لتعلو بجبهتك فأنت إنسان لا تُستذل ولن تُمتهن، ليكنْ كيانك بداخلك تنلْ عزّاً من غدك.
أيُّها الضعفاء، اعتصموا الآن حتى تنعموا غداً، اقطفوا رؤوس الجبابرة، واهدموا بيوتات العنكبوت الحمقاء.

 

هيّا معاً، لنبحث عن الغدِّ الأكبر، كل أيامه الدنيا تتشابه، تطيب لنا تارة وتؤلمنا تارة أُخرى، تعزّنا وتذلّنا، تهبنا وتنزعنا، ترفعنا وتخفضنا، تسعدنا وتشقينا، لكنها كلها فيه "الغد" أو فيهم معانى لا تَحمل في مضامينها إلا الرسم والشكل، حيث أنها بلا روح، كالجسد بلا روح، حتى هو ذاك الغد جسد بلا روح، وإذا أردنا نحن جسده بروحه، فعلينا بالغدِّ الحقيقي، الغدُّ الأكبر، غد الخلود في جنة النعيم، عندها فقط فقط يكون جسداً بروح، يكون كياناً واضح الملامح، معلوم الماهيّة تماماً تماماً.

 

وأخيراً، قدْ يأتيني الموت قبل أن أُخبركم عنه، وقدْ يأتيكم الموت قبل أن يصل إليكم خبره، قدْ اتعّظُ أنا به وتتعظون، وقدْ أجحده وتجحدون، فالنجدان لنا في شأنه من مراد الإله الرحمن، فمِنْ عزّة هذا الغدُّ أنّه دائماً وأبداً سابقنا وليس له خط نهاية، ولو افترضنا نهايته فنحن إذن عدم، ونحن نحن لسنا عدم.