العربية تنقرض.. هذه حقيقة لكن هل نواجهها؟

blogs اللغة العربية

حين أرى نسبة معتبرة من أصدقائي تقرأ لأدباء أجانب كديستوفيسكي وشارلوت برونتى وصمويل جونسون وألبير كامو وغيرهم أتفهم استساغة أعمالهم الأدبية الأجنبية -غربية كانت أو شرقية- ولعلها تقدم فعليا جوانب مختلفة عن التي يكتسبها الكاتب عادة من قراءة الأعمال العربية وقد تفيده في استخدام اللغة العربية بطريقة حديثة معاصرة ويعد هذا حلاً للكتاب المتقوقعين حول الأدب الكلاسيكي لأنه هناك فجوة كبيرة بين المنتج الأدبي المعاصر واللغة العربية الفصيحة، فالأدب البليغ غالبا ما يكون قديماً والأدب الحديث غالبا ما يكون ركيكاً.

ولكن هناك فرق شاسع بين هذه الاستساغة المبنية على أسباب واقعية وبين أن يتحول الأمر إلى تبنٍ كامل للغات الأجنبية مع التقليل من جمال اللغة العربية على حساب غيرها من اللغات ثم نماء شعور بالاستحقار للغة ومستخدميها على حساب اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات. فتجد بعض الأمهات والآباء يلقنون أطفالهم الرضع أسماء الأشياء والأفعال بإحدى اللغات الأجنبية وكأن ذلك سيحل المشكلة الوجودية التي وجد الطفل التعيس نفسه بها بميلاده في دولة عربية.

عند هذه النقطة سوف يصيح بعض المدافعين عن اللغة العربية أنها "عقدة الخواجة" والاستعمار الثقافي وحتى الفارق المهول في التقدم الحضاري الذي يحوجنا إلى التقليد الدائم لكل ما تستطيع أيادينا تقليده في الدول الغربية المتقدمة حتى لو كان هذا التقليد لا يمت للعقلانية أو لأسباب النهضة المادية بصلة ولكني أرى أن السبب وراء مشكلة الاضمحلال اللغوي المبني على الاستحقار المتوارث حديثا للأجيال الجديدة ما هو إلا الجهل المدحض بالقدرة السحرية للغة وبالمنتجات الادبية بالغة الدقة والجمال التي قدمها لنا العرب على مر العصور والأزمان ولا أدعي أنني لست من هؤلاء الجهلاء ولكن إدراكنا لعظمة هويتنا وحضارتنا ولغتنا هو الحاجز الذي لا بد وأن يقف في وجه الغزو الثقافي، المشكلة التي نواجهها اليوم هي أن الأجيال الجديدة بريئة من ذلك الجهل المدحض براءة الذئب من دم بن يعقوب ولكنه صار واقعا مؤلما لا نستطيع تغييره بسهولة.

لنجعل إدراج الكلمات الفصيحة في منشوراتنا وكلامنا
لنجعل إدراج الكلمات الفصيحة في منشوراتنا وكلامنا "موضة" بدلا من الإنجليزية أو الفرنسية، ولتزيد الحكومات والدول من مسابقات التحدث بالفصحى مع جوائز قيمة للفائزين
 

جمال الأدب العربي واللغة المستخدمة به تتناسب طرديا مع صعوبته وكلاهما يتناسبان مع عودتنا بالزمان إلى الوراء. تقع المشكلة عندما نعجز بسبب ضعفنا اللغوي عن فهم ذلك الجمال بسبب تلك الصعوبة عندها نفقد الحافز النفسي الذي يدفعنا دفعا لاستكمال ما نقرأه وهذه المشكلة تتفاوت حسب مقدرة الشخص اللغوية. إذا كانت مقدرتك اللغوية أعلى من مقدرتي، ستعجز عندها عن مشاركتي لذلك الجمال الذي تستشعره في الكتابات التي يراها كل من هم دونك ثقافيا طلاسم مجهولة.

هذه المشكلة لا تنعدم عند شخص ما مهما ازدادت حصيلته اللغوية فكم من مرة استصعبنا أسلوب هذا الصديق أو ذاك ثم وجدناه يدعي بساطة أسلوبه مقارنة بالكاتب الفلاني أو العلاني مما يدل أن كل مطلسم هناك الأكثر منه طلسمة وسبحان الله لا يرضى أحد ما بما يكتبه، من يمتلك الأسلوب السهل يشعر دائما بتأخره عن أولئك الجهابذة البلغاء ومن يمتلك الأسلوب الجمالي البديع يكره عجز الناس عن فهمه ويتمنى لو يستطيع الكتابة بأسلوب مفهوم للعامة.

لا أعتقد أن تلك المشكلة التي تكونت عبر سنوات وسنوات بإمكاننا حلها في يوم وليلة وإنما تحتاج مجهودا عظيما من الآباء والامهات لتنشئة فتيانهم وفتياتهم بطريقة تسمح لهم بإدراك جمال اللغة ومكانتها الفارقة عن جميع اللغات الأخرى بالإضافة للجهود المجتمعية من كافة المؤثرين اجتماعيا وصانعو الموضات. فلنجعل إدراج الكلمات الفصيحة في منشوراتنا وكلامنا "موضة" بدلا من الإنجليزية أو الفرنسية. ولتزيد الحكومات والدول من مسابقات التحدث بالفصحى مع جوائز قيمة للفائزين وتشجيع عام لطلاب المدارس على التحدث بالفصحى داخل الفصول تماما كما يتم تشجيعهم على التحدث بالإنجليزية أو الفرنسية بالحصص الخاصة بهما.