الإنسانُ ساعاتٌ وأيام

blogs ساعة

يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: الإنسان هو بضعة أيام، كلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه. نعلم أنَّ رأس مال التّاجر داخل السوق هو ما يملكه من مال، ورأس مال العالِم داخل المجتمع العلمي هو علمه، ورأس مال الحاكم في دولته هو نفوذه وسلطانه، فإن رأس مال الإنسان بشكلٍ مطلق، سواء كان تاجرًا أو عالمًا أو حاكمًا أو أيًا كان، هو وقته. بهذا يستثمر الإنسان ويتاجر ويتعلم ويُعلِّم ويحكُم ويذهب ويجيء، برأس ماله، أي بوقته.

إن من العجيب في هذا الزمان أن العلماء كُثُر، والعلوم متضخمة، ووسائل الوصول والحصول على المعرفة هيّنة يسيرة، فلو طلَّ علينا أحد المتقدمين من طلاب العلم والعلماء من العصور الغابرة الذين كانوا يعانون الوصول إلى مصادر المعرفة من شيوخ وعلماء ومكتبات، ويسافرون مئات الأميال حتى يتحصلوا على العلم، لحسدَنا على أننا من أهل هذا الزمان وهذا النمط من الحياة الذي يستطيع فيه الإنسان (إن أراد) أن يحصل على كل ما توصل إليه الإنسان من علوم هائلة بكبسة زر بيسر وسهولة.

 

لكن هنا المشكلة، هذا العصر أيضًا قد تضخمت فيهِ المُلهيات وأسباب الانشغال بفروع الحياة حتى أصبحت تقارعُ في كثرتها العلوم، لا يكاد الشاب يستيقظ من النوم، صادقًا في نيته بطلب العلم والمعرفة، وتطوير نفسه، حتى يلاقي أصنافَ الملهيات، تلفاز من هنا، وYouTube من هنا، وFacebook من هنا، وألعاب Video Games من هنا، وروايات فارغة من هنا، توفُّر وسائل النميمة والكلام عن الناس والقيل والقال بسهولة من هنا أيضًا، وهذا يتغذى عليه آلاف الشباب والشابات من مجتمعنا، حتى أنه رغم وجود العلوم الهائلة هذه، وتوفر الأسباب التي توجب طلبها، ظلّوا حبيسينَ داخل قوقعة المُلهيات هذه.

في طريق عبادتنا لله عز وجل نحن مأمورون أن نعمِّر الأرض أحسن تعمير، ونكتشف العالم، ونقوم بالصناعات والبناء والتعليم وكل هذا، ونسعد من حولنا، وننشر قيم الخير والفضيلة عند الآخرين

تقول أحد الزميلات في منشور لها على موقع الـ Facebook: …لكن الجديد هنا أن هذا العصر يوفر لك موادًا مكتنزة كثيفة لا معنى لها لتملأ فيها هذا الفراغ، ما يجعل الرؤية ضبابية أكثر وأكثر، وفي أسوأ الأحوال ستعتقد أنك بخير ولا حاجة لك بالبحث عن البوصلة بعد الآن. وفي خِضمِّ هذه الحياة الضبابية، ينسى الإنسان رأس ماله، ينسى أنه ساعاتٍ وأيام، ينقضي كل يومٍ بضعٌ منه، حتى يأتي اليوم الذي يرحل فيه عن هذه الدنيا وهو غارق في هذه المواد الكثيفة التي لا معنى لها، وحينها يندم.

أرى في الجامعات، وفي المدارس، وفي الشوارع مئات الشباب والشابات بل آلاف، لو رُبّوا على التساؤلات الكبيرة: من أنا، ولمَ أنا، وما معنى أني خليفة الله في الأرض، لتغيرت بوصلة هذا المجتمع وهذه الأمة، يقول أحد الشيوخ: "لو أن صفوة من الناس اليوم وضعوا لأنفسهم أهدافًا جليلة عظيمة يسعون لتحقيقها لتغير وجه الأرض ولتحول مسار التاريخ المعاصر لصالحهم بعد توفيق الله تعالى لهم."

ولكن ما نراه على الأغلب هو ضياع، الشاب يركض وراء الفتيات، والفتاة تركض وراء الشباب، والجميع يركض وراء شهوات لو وُضِعت في الطريق الصحيح، لقامت بنا من هامش التاريخ، إلى أستاذية العالم. ويمر اليوم بعد اليوم، والسنة بعد السنة ونحنُ نحاولُ إرضاء هذه الشهوات.. لو فهمنا الشهوة، وحكمةُ خلقها فينا، في جيناتنا، لما رأينا هذا الضياع، لو فهمناها كما هي عليه، وكما أراد الله لها أن تكون، لعرفنا أن الشهوة هي الدافع المحرك نحوه تعالى، وهي كما يقول الدكتور محمد راتب النابلسي: حيادية تماماً، فإما أن يرقى بها الإنسان إلى أعلى الدرجات أو يهوي بها إلى أدنى الدركات.

حتى لا نتشتت.. يسأل الشاب والشابة، ماذا عساي أن أفعل حتى أضع شهواتي هذه في القناة المشروعة التي رضي الله تعالى أن تسري خلالها، ولا أعطيها أكثر من حقها، ثم أبدأ باستغلال الوقت الذي هو رأس مالي فيما ينفعني ومجتمعي وأمتي وعالمي؟ تبدأ العملية كما يقول الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، بمعرفة من أنا ولمَ أنا، وفقه النفس، ومعرفة الوظيفة الموكلة بي كوني عبد لله ولستُ مستقلًا بنفسي، ومعرفة المقصود بقوله تعالى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".

إذًا الطريق الوحيد للاستثمار بالوقت، واستغلاله، ونهضة النفس من خلاله، هو أولًا معرفة من أنا، يقول الله عز وجل: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً"، وهذا تقرير من الله على أن الإنسان هو خليفته في الأرض، وكما يستشعر الوالي بعظم المسؤولية عندما يخلفه الحاكم الكبير على إحدى الأقطار، هنا نستشعر ولله المثل الأعلى، عِظم كوننا خلفاء لرب الحُكّام، وربُّ الأرض والسماوات، خالق كل شيء ومن بيده كل شيء.

 

ويقول الله عز وجل: "إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ"، إذا أولًا علي أن أعرف أن صاحب المسؤولية في هذه الدنيا، هو أنا، وليست السماوات والأرض ولا الجبال ولا الحيوان ولا النبات، بل أنا الإنسان، ويقول عز وجل: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"، وهنا يقول علماء اللغة أن هذا أسلوب حصر، لِئلّا يتوهم عند البعض، وهذا يحدث كثيرًا، أن هنالك أي وظيفة أخرى للإنسان في هذه الحياة غير العبادة، كما يخرج علينا بعض المتنطعين بأقوال مثل: خُلقنا لعمارة الأرض، وخُلقنا لنسعد من حولنا، بل كذبوا وصدق الله: خلقنا لنعبده.

 

وفي طريق عبادته نحن مأمورون أن نعمِّر الأرض أحسن تعمير، ونكتشف العالم، ونقوم بالصناعات والبناء والتعليم وكل هذا، ونسعد من حولنا، وننشر قيم الخير والفضيلة عند الآخرين، لكن الفرق أن هذه الأمور عند من يسير على ضوء القرآن يراها وسيلة، وليست غاية، وهذا محل الاختلاف مع من يقول أن غايتنا هي عمارة الأرض.

وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ ماذا سيكون رد من هو مثل بعض الشّباب الّذين نراهم في الجامعة، ينتظرون فصلَ التّخرج بتشوّف حتى ينتهي عذاب طلب العلم!
وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ ماذا سيكون رد من هو مثل بعض الشّباب الّذين نراهم في الجامعة، ينتظرون فصلَ التّخرج بتشوّف حتى ينتهي عذاب طلب العلم!
 

نعود، الآن عرفتُ من أنا، وما وظيفتي في الأرض. الآن يقول الله عز وجل مبينًا أهمية الوقت: "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ"، ويقول واصفًا عباده المتقين: "كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"، ويقول معلِّم البشرية عليه السلام: "لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ".

على الإنسان أن يقف مع نفسه وقفة ويسألها، لو أن محمدًا كان هنا، وسألكِ فيمَ أفنيتِ عُمُرك يا فلانة؟ ماذا سيكون الجواب أمام من أفنى عُمُره حتى ننهض نحنُ، وحتى نسعد نحنُ، أحسبُ أنه لن يوجد من يحب أن يكون جوابه أنه أفناه في سفاسف الأمور، من أفعال تنهشُ في الوقت نهشًا، من مغرياتٍ وشهوات جسدية ونفسية وظيفتها الوحيدة هي استهلاك الوقت، وتلفُ العقلِ والجسد.

وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ ماذا سيكون رد من هو مثل بعض الشّباب الّذين نراهم في الجامعة، ينتظرون فصلَ التّخرج بتشوّف حتى ينتهي هذا العذاب الأليم: عذاب طلب العلم! حتى ينتهي هذا الأسر.. أصبحنا نعامل علوم الخلية والطب والهندسة والأدب ومختلف أنواع العلوم على أنها عذاب، بماذا خرجت هذه الأمة بملايين المهندسين والأطباء والأدباء والعلماء؟ مجرد شهادات وألقاب إلا من رحم الله ووفّق للخير.. عَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، علينا أن نتذكر.

وكل ابن أنثى و إن طالت سلامته ..  يومـًا على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـور جنــازة ..  فاعلم بأنك بعدهــا محمول

أنا شابٌّ، ومسؤولٌ عما يحدث لديني، وما يحدث لأرضي ووطني، حتى لا تلعَنني الأجيال اللاحقة، أريد أن أؤمِّن لهم أسباب الحياة التي يستطيعون من خلالها أن يعيشوا أعزاء سادة لا تابعين، وعلى ضوء هذه الوظيفة الموكلة لي، عليَّ أن أستثمر يومي فيما من شأنه أن ينهض بهذه الأمة، وأن أكن مستعدًا لإجابة سؤال عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ.