شعار قسم مدونات

في الجزائر.. التربية أم التعليم؟

blogs-مدارس
التربية مقياس أي أمة، فهي ترسم مستقبلها وهي حاضرها وهي حصاد ماضيها، هذا الماضي الذي تعتــز به كل أمة وتنبش فيه، لاستقرائه لأجل موضع قدم في تاريخ الأمم، بل أن بعض الأمم تختلق لها تاريخا من العدم، بأحداث خيالية وشخصيات وهمية، لغرس نبتة خير قد تحافظ على ما وصلت إليه، هذه الرؤى التي تسعى إليها الكثير من الدول لتجعلها منهاجا لمستقبلها وضمانا لبقائها.
 
ما نشهده اليوم، من انحراف ممنهج لطريق رسمه شهداء وأبطال استشهادهم ليس بالبعيد، ومجاهدين لازال بعضهم يتنفس حيا بيننا، ما هو إلاّ استمرار لمحو إرث أمة لم يفلح الاستعمار الفرنسي بحضوره، وجبروته الذي عُرف عنه وتفننه في اجتثاث الهوية الأمازيغية، العربية والإسلامية لهذا الشعب بشتى الطرق، ومشاريعه التي لم تكلّل بالنجاح عبر سنوات الاستعمار، فقد كان الهدف الوحيد لشخصيات وطنية غيورة على الدين والثقافة الوطنية بعث الروح الوطنية وتثبيت قواعدها في نفوس المجتمع الجزائري، وتذكيره بأصالته المتجذِّرة في التاريخ وكان لجمعية العلماء المسلمين القسط الكبير في نفض غبار السنين المتراكم على ثقافة هذه الأمة، والتأكيد على الهوية الوطنية كمخرج وكمنهج لإعادة بعثها والتشبث بها لنيل الاستقلال ومن ثم المحافظة على هذا الموروث الحضاري.
 
إن ما نعيشه اليوم هو التناقض بعينه، ففي حين تبحث الدول عن مراسي عبر تاريخها تتمسك بها ننسلخ نحن من ماضينا تحت حجج واهية، وبطريقة مقننة، فلم يكن في تفكير من أشعل فتيل الثورة الطيبة العظمى، بناء دولة ممسوخة المستقبل، بل كان اتجاههم ثوريا جهاديا من أجل الجزائر كلها بكل أطيافها وتنوع مجتمعها ولم يظهر مصطلح التفرقة بين المجتمع في تصورهم، فكان يجمعهم الدين إن تنحت اللغة، واللغة إن ظهرت اللهجة، والوطن إن ذكرت جهة بعينها وهكذا..
 
في مدارسنا شعار مشترك على جدارياتها مكتوب بكل الخطوط العربية "العقل السليم في الجسم السليم"، الأجدر أن يكتب مجاورا لها، الخلق السليم في العقل السليم، فلا يستوي عقل دون خلق

أما اليوم فالمقوم الأساسي لهذا المجتمع والحامي لتاريخها وآخر مقوم يمكن أن يجمعنا كجزائريين يضرب في الصميم عبر وزارة التربية فالمقترحات بتدريس اللهجة المتداولة في الحياة اليومية هو ضرب للغتنا العربية في الصميم وهو ما يجعل المجتمع مستقبليا يعيش حياته كاملة كرسائل أس أم أس في هاتف بلغة غير العربية، كما يفعل العامة دون أن يتقن أولادنا لغتهم ويتفننوا في صياغتها لمواكبة الصروح العلمية للدول المتقدمة وهو ما يطرح سؤالا آخر فلماذا التشبث باللغة الفرنسة، التي يعرف العالم أنها آيلة للزوال ولا مردودية منها ولا تواكب البحوث العلمية، والدليل وفرة المادة العلمية باللغة الإنجليزية وندرتها باللغة الفرنسية هذا الدليل قد نلمسه حتى بمواقع النت، التي هي في متناول الجميع.
 

وهنا يطرح سؤال حول النوايا في بناء أمة متعلمة متطلعة لما وصلت إليه الدول الأخرى والنهل بالنصيب الأكبر من العلم، ويطرح سؤالا آخر ربما أكثر أهمية، عن الأولويات الحقيقية لوزارة التربية هل التربية أم التعليم؟ وهل بهذا الصياغة والمناهج المبهمة سنصل الركب العلمي العالمي، لا يظن أهل الاختصاص ذلك ولا العامة، فالمناهج تزداد ثقلا بازدياد ثقل المحافظ والكتب وقلة الانتباه الذي يلحظه الأولياء لأبنائهم، بل يرى الطرفان المتلازمان من أساتذة وأولياء التلاميذ أن الأولوية للتربية قبل التعليم والأصل تلقين أولادنا أصول الأخلاق الحميدة بمنهاج ديني قد يعطي على الأقل تفوقا إن لم يكن علميا في الوقت الحالي فليكن أخلاقيا. والجدير بالذكر أن كلا الطرفان لا حراك لهم في ردع الأفكار التي يستوردها مسؤولو هذا القطاع عبر مستشارين غربيين لا علاقة لهم بديننا ولا بدنيانا.
 
الذي يمكن أن نجزم أن هذا القطاع يتعرض لهجمة شرسة مقننة، فمن مقترحات نزع البسملة إلى نزع سورة الإخلاص التي هي عماد الدين ووحدانية الله، ببراهين واهية من قبيل أنها صعبة على أطفالنا، وكأن المطلوب منهم هو الإلمام بالدين كله، وربما في ذات الوقت إعراب السورة بكاملها وما سبقها من بسملة وتعوذ بالشيطان، في المقابل تدريس الأطفال كيفية تكاثر الحيوانات بشتى اختلافها أصبح سهلا مستساغا قد يضفي على طفل في السابعة من عمره أهمية الجنس في حياة الدجاجة. فما بال البقرة، أو مسائل الرياضيات المعقدة التي تعج بها البرامج ولا يعرف حلها حتى الكبار.
   undefined
 
عندما يكون التوجه يمينا والمجداف يسارا، يكون التناقض بعينه، قال رشيد بوجدرة أن حقيبة وزارة التربية عرضت عليه مرتان ورفضها، وهو المعروف بإلحاده، قد نرى منه نوع من شفافية التفكير فهو لا يقدر أن يكون ربانا لسفينة يوجهها شمالا وقد رسمت خطها يمينا، كما نراه في الخطاب السياسي الديني، والذي قد نلمسه في الاهتمام بالزوايا والصوفية التي على رأيهم هي التي رعت الهوية الدينية لهذا المجتمع وعلمت أصول الدين والفقه، وأججت روح التحرر والجهاد في هذه الأمة ومن أفضالها نيل الاستقلال.
 
ما نراه اليوم هو جحود سافر لما مات عليه ملايين الجزائريين، بل استمرار لمشروع فرنسي قديم، وطمس لرؤية مستقبلية كان يراها مفجرو الثورة هدفا ضمن بيان أول نوفمبر التاريخي وهو "إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية"، ومن الديمقراطية الحق احترام حق الشعوب فيما تراه مناسبا لنشئها، قد تجد.
 
في مدارسنا شعار مشترك على جدارياتها مكتوب بكل الخطوط العربية "العقل السليم في الجسم السليم"، الأجدر أن يكتب مجاورا لها، الخلق السليم في العقل السليم، فلا يستوي عقل دون خلق ولا يستوي جسم دون عقل، فلا علم دون أخلاق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.