شعار قسم مدونات

رجال في الشمس.. غسّان كنفاني

مدونات - غسان كنفاني
تُعالِج رواية غسّان كنفاني "رجال في الشّمس" الصّادرة عن منشورات الرّمال في 110 صفحات من القَطع الصّغير، مُشكلة المُهاجِرين الفلسطينيّين بعد النّكبة أو النّكسة وتَبِعاتِها وويلاتِها، وهِيَ وإنْ تحدّثَتْ عن واقعٍ معيشيّ فلسطينيّ خاصٍّ، إلاّ أنّها تصُلح فيما عالَجتْه وحاولتْ أن تُوصِلَه لمشكلِة الهِجرةِ بوجهٍ عامّ لأيّ شعبٍ مطرودٍ من أرضِهِ قَسْرًا إلى وطنِ الحُلمِ والاستِقرار والمال، وهذا ما زال يحدثُ حتّى اليومِ فيما ناره من هجراتٍ سبّبَتْها الحروب الّتي لا ترحم الإنسانَ فحسبُ، بل امتدّ سُعارُها إلى الشّجر والحجر والدّواب، كما نرى في العراق وسوريّة واليمن وليبيا، المناطق الّتي يمتدّ شُواظُ ألسنِتها إل ما حولَها كذلك.
  
غسّان ذو نَفَسٍ قصير، بدا ذلك في ضَرَباتِهِ الخاطِفة في قصصه القصيرة، كما بدا في رواياتِه الّتي تحوم حول الصّفّحات المئة في أغلبِ ما رَسَمتْه رِيشتُه، وهذا ليسَ عيبًا، بل هِيَ سِمة، وهي صورتُه من روحِه، روحه التي تشهَقُ المأساة وتزفُر الكلمة.
  
جُمَل كنفاني كذلك قصيرة، لكنّها مُكثّفة، لعبتْ هذه الجُمَل دورَها في اختزال الحالة الشّعوريّة على سبيل المثال كقوله في ص7: "أراحَ أبو قيس صدره فوق التّراب النّديّ، فبدأتِ الرضُ تخفقُ من تحته: ضَرَباتُ قلبٍ مُتعَب"؛ ليُدلّل على التِصاقِ القلبِ بالقلب، فقلبُه الحقيقيّ يحنّ إلى قلبِه الأرض؛ قالَها مرّة أخرى في الصّفحة نفِسِها: "هذاصوتُ قلبِكَ أنتَ تسمعه حينَ تُلصِقُ صدركَ بالأرض".
  

كما أنّه يُصورّ الحالة الاجتِماعيّة والثّقافيّة الّتي كانتْ سائدة إبّان الرّحيل عن الأرض، فيعبّر عن الجهل بالدّين أحيانًا أو الاستِخفاف بأمره، أو العفويّة، حينَ يُطلَب من أستاذٍ معتادٍ على الجلوسِ في المقاهي وتناول الأرجيلة أنْ يخطُبَ الجمعة، ولا يقتنع كلّ أهل الحيّ والمختار بأنّ أستاذًا في مدرسة لا يُمكن أن يكونَ إمامًا في مسجد كذلك، حتّى يُفاجِئهم: "طيّب، أنا لا أعرفُ كيفَ أصلّي".

  
كما تنهض المقارنة الّتي تحمل التّناقض والمُفارَقة، إذ يكونُ الهَربُ من الفقر إلى الحياةِ بمواجهةِ الموت، ويكونُ العُبورُ إلى الجنّة المُتخَيّلة من خلال الصّحراء، يقول ص12: "أكنتَ تقبلُ أن تحملَ سِنِيَّكَ كُلَّها على كَتِفيكَ وتهربَ عبر الصّحراء إلى الكويت كي تجدَ لُقمةَ الخُبز".
 
الشّخصيّات

  

غسان كنفاني (مواقع التواصل)
غسان كنفاني (مواقع التواصل)

 

ملامح الشّخصيّة عند كنفاني في رواياته واضِحةٌ، يُعطيكَ فرصةً لترسمَها في خيالِك، وأحيانًا تجدُ لها نظيرًا في الواقع، ولا يهتمّ كنفاني باسم الشّخصيّة بمقدار ما يهتمّ بخُطُوطِها، فهو على سبيل المثال لا يُسمّي الرّجل السّمين، لكنّه يُقدّمه لنا بهيئته الجسديّة من خلال أنّه سمين، وبهيئته الدّاخليّة من خلال أنّه نَصّاب. كما أنّ أغلبَ شخصيّاته لم تأخذْ أسماءً بل ألقابًا مثل: (أبو قيس، وأبو الخيزران) ربما للسبب ذاته.

 
أكثر شخصيّة رسمها حتّى لَتبدو ماثِلةً للعضيان هي شخصيّة أبي الخيزران، وهذا نموذجٌ من ذلك، ص55: "كانَ أبو الخيزران سائقَا بارِعًا، فقد خدمَ في الجيش البريطاني في فلسطين قبل عام 1948م أكثرَ من خمسِ سنين، وحينَ تركَ الجيشَ وانضمّ إلى فِرَق المُجاهِدين كانَ معروفًا بأنّه أحسنُ سائِقٍ للسّيارات الكبيرة".

 
ولم يعمد كنفاني إلى ترسيم الشّخصيّة دُفعةً واحِدةً، بل استخدم أسلوب الاستِرجاع لِيُراوِح في إكمال مظاهر هذه الشّخصيّة، انظر إليه مثلاً يُتابع تجلية صورة أبي الخيزران في سبب عدم إقدامه على الزواج في ص68 من الرواية، وشعوره النفسيّ القاتل في قوله: "عشر سنوات طِوال، وهو يُحاوشل أن يقبل الأمور، ولكنْ أيّة أمور؟ أنْ يعترف ببساطةٍ بأنّه قد ضيّعَ رجولَتَه في سبيل الوطن؟ وما النّفع؟ لقد ضاعتْ رُجولتُه وضاعَ الوطن، وتَبًّا لكلّ شيءٍ في هذا الكون المَلعون".

 

الرائحة

ص7: "الرّائحة إيّاها، رائحة امرأةٍ اغتسلتْ بالماء البارد، وفرشتْ شعرَها فوقَ وجهه".

 

الحُلم

حلم الحصول على المال، لا يُلغِي حلم العودة، بل لا يُلغِي تحقيق جزءٍ من ذلك ولو في المنفَى؛ فعلى سبيل المثال يخطاب أبو قيس نفسه قائِلاً ص17: "منذ عشر سنواتٍ وأنتَ تأمُلُ أن تعودَ إلى شجراتِ الزّيتون العشر الّتي امتلكْتَها مرّةً في قريتك". وفي الحوار الداخليّ لأبي قيس تتجلّى تلك الأحلام بقوله ص88: "سوفَ يكونُ بِوسعنا أن نُعلِّمَ قيسًا، وأنْ نشتريَ عِرقَ زيتون أو عِرقَين، وربّما نبني غرفةً نسكُنُها وتكونُ لنا".

  undefined

 
المُقايَضة

بدا الإنسانُ رخيصًا، أو سِلعةً من خلال المُساوَمَة على الثّمن الّذي يجب أن يدفعه الدّاخل عن طريق التّهريب من البصرة إلى الكويت، يقول ص36: "قالوا إنّ سِعرَ الواحِد خمسة دنانير". الرجل السمين يطلب 15 دينارا. تظهر ثقتُه بنفسه في طلبه مبلغًا كبيرًا مثلَ هذا؛ لأنّ المُهرّبين جميعًا قدِ اتّفقوا على ألاّ يأخذوا أقلّ من هذا المبلغ، مِمّا يدلّ على أنّ هناكَ سوقًا كانتْ قائمة للاتّجار بالبشر، يُديرُها مجموعة من اللّصوص المُجمِعينَ على رأيٍ واحدٍ.

 
وهُناك في هذه اللّحظة، يكونُ لصوصٌ صغارٌ يتربّصون بالمساكين الحالِمين الّذين يزرون الرّجل السّمين، فيصطادونهم من بينِ براثِنه ليعرِضوا سِعرًا للرأس يبدو معقولاً وهو 5 دنانير مثل أبي الخيزران، لكنّ أبا الخيزران يستخدم سعر الـ 5 دنانير طُعمًا، حتّى إذا استحكمتْ صِنّارته من ثلاثِ ضحايا، طلبَ منهم 10 دنانير في لحظةِ تنفيذ الخُطّة، لكنّه يُطمئنهم بأنّه لن يأخذ منهم قرشًا واحِدًا إلاّ بعدَ وصولهم إلى الكويت ليجعلهم يقبَلون بعرضِهِ السّخيّ مُقابل ما كان يطلبه الرّجل السّمين من دَفْعِ 15 دينار، تُدفَع مُباشِرة، وقبلَ الصّعودِ إلى السّيّارة، بل وانتظار المُتَّفَق معه بقيّة الحالِمين بالهرب الّذين بهم تكتمل بهم سَعة السّيّارة. لا يتفقون معه في النهاية.

 
كانَ الاتّفاق في النذهاية مع أبي الخيزران الّذي يستغلّ خزّان الحا رضا العائد إلى الكويت من العراق، الخَزّان الفارغ من المياه، والمصنوع من الحديد، والمُغلَق تمامًا إلاّ من فتحةٍ في الأعلى، وسيتمّ ذلك عبرَ الصّحراء المُهلِكة والحرارة المُلتهِبة. في النهاية يرتحل معه ثلاثة: "أبو قيس، ومروان، وأسعد". تتسارَع الأمور على الحدود، يصوّر كنفاني جهنّم ماثِلةً في لُبّ الخَزّان، تتجلّى اللّحظات العصيبة المُوغِلة في دِقّتها حين يقوم الجنود الموجودون على الحدود الكويتيّة بالسّخرية من أبي الخيزران، وهم يقولون له إنّ الحاج رِضا قال لنا إنّكَ لم تذهبْ إلى العراق من أجل أن تُحمّل بِضاعةً، بل من أجلِ أن تلهُوَ مع راقِصةٍ هُناك، وتقوم المُفارَة من جديد مع أبي الخيزران الّذي يُتّهم بأنّه (دُنجوان) مع أنّه في الحقيقة لا يستطيع أن يقربَ النّساء!!

 
بعدَ أن يلهو جنود الجمارك على الجانب الكويتيّ مع أبي الخيزران، ويستغرق ذلك بضع دقائق فقط عن الوقتِ المُتوقّع يعودُ أبو الخيزران إلى الخزّان، وهو يُصارِعُ أسئلةً كثيرةً تنهشُ عقله وقلبَه ووجدانه: هل ما زالوا أحياءً داخل ذلك الخَزّان، أم أنّهم شُوُوا فيه، ونشبَ الموتُ أظفاره فيهم، وحينَ يُسرِعَ بسيذارته بعيدًا عن الحدود، وينطلق بها بأقصى سرعةٍ مُمكِنة، ويوقفها، لكي يصعد الخزّان، ويفتح فوهته، ويُنادِي عليهم واحِدًا واحِدًا، ثُمّ يكتشف أنّهم فارقوا الحياة؛ لقد ماتوا وماتت معهم أحلامهم!!

 
صوّر غسان موتهم بطريقع فجائعيّة، كما كشفَ عن شخصيّة قذرةٍ وغير متوقّعة تلك الّتي تعامل فيها أبو الخيزران مع ضحاياه، فقد سرَقَ نقودهم، وألقى جُثهثهم المُتيبّسة قربَ حاويات القمامة!!