الهجرة وسؤال الاندماج الثقافي

blogs - مطار

منذ أن وجد الانسان وهو يعيش على الترحال والتنقل والهجرة، ولم تكن بعد المسافات واختلاف أفكار وعقائد الاخر يوما عائقا أمام رغبته في تغيير الأجواء، فالناس في أغلبهم دائما ما يكونون متحمسين للهجرة والسفر، رغبة منهم في عيش مغامرات جديدة، فضلا عن الشعور بالفضول في اكتشاف الآخر من حيث هو مظهر إنساني ذو ذوق ثقافي.

ولما كان التعدد والاختلاف سمتان ثابتتان في المظهر البشري، فإن سؤال ما يسمى بالاندماج الثقافي تارة أو الانصهار تارة أخرى يغدو مرتبطا بسلوك الهجرة.. إذ ليس باستطاعة شخص أمضى جزءا من حياته في بلد مثل البرازيل أن يعيش بنفس الطريقة في بلدان أخرى مثل الصين أو إيران أو زامبيا.. فوسط كل مجتمع ثقافة غالبة طاغية لا سبيل لمن حل به سوى أن يسعى إلى التماهي معها، ومفردات التماهي أو الانسجام أو الاندماج أو حتى الانصهار وإن بدت حاملة لنفس المعنى فإنها تختلف في سياق الهجرة.

فهل ونحن نهاجر ننصهر أم ترانا نندمج؟ ألا يشترك الناس في القيم الكونية؟ إن كان الأمر كذلك فلماذا يطرح سؤال الاندماج أساسا؟ ثم أي رابط يجمع بين الهجرة والاندماج والهوية؟ ألا تعري قضية الهجرة قصور مفهوم الحرية ونسبيته وارتباطه بالبيئة والوسط.. أسئلة من بين أخرى سأحاول أن أتطرق إليها بغية أن اتي بعناصر إجابة لها.

 

الاندماج في بلاد المهجر حتمية وضرورة.. ولا يعقل أن يعلق المرء فشله في مواكبة أسلوب العيش في البلاد التي حل فيها على الارتباط المبالغ فيه بالهوية

أعتقد أنه ليس ثمة تعريفا ثابتا لمصطلح الاندماج، فقد يوصف بأنه مشاركة مجتمعية فاعلة داخل مجتمع البلد المستضيف بلا تمييز مبني على ثقافة أو فكر أو معتقد.. وإذا ما سلمنا بمسالة أن لكل إنسان أفكارا ومسلمات وجزمنا بطغيان مظهر ثقافي معين في كل مجتمع في الوقت الراهن، حينئذ قد نلمس ونفهم اختلاف مفهومي الاندماج والانصهار، فالاندماج يعني أن نسعى لنتكيف مع البيئة الجديدة مع القيام بالحد الأدنى من التنازلات، أقصد أن المهاجر إن هو أراد أن يندمج في محيطه الجديد المختلف ثقافيا فإنه يلزم عليه أن يتخلى عن بعض أفكاره ولو بشكل مرحلي على الأقل.

 
فسلوك المواطن الفرنسي في بلده أكيد أنه لا يشبه سلوكه في بلد مثل السعودية، وهامش الحرية الذي يتمتع به في وطنه ليس نفسه في بيئة سعودية لها خصوصياتها، لذلك فهو مجبر على القيام بتنازلات من أجل تحقيق حد أدنى من الاندماج من أجل أن يقضي غرضه الذي قاده إلى الهجرة. أما إن هو أراد الانصهار، فهو عندئذ سيقوم بالتخلي عن كل أفكاره وقيمه التي بناها في فرنسا، وينصهر داخل مجتمع يحرم التظاهر ويقيد حرية التعبير، يعني أنه سيكون مطالبا بوضع قطيعة مع الإرث الثقافي الفرنسي والاصطفاف وراء الفكرة المناوئة لحق الانسان في التظاهر.

  
ربما يتبادر إلى أذهان بعضكم سؤال الحرية، فيتساءل عما إن كان بوسع الفرنسي أن يندمج في المجتمع السعودي دون حاجة إلى التخلي عن أفكاره وعما ان كانت الرغبة في الاندماج تتعارض مع الحرية.. الواضح أن الحرية في سياق الهجرة خاضعة لضابط قهري وهي بذلك غير تامة وليست حرية أساسا والحرية من منظور نظري ومطلق تتعارض وتعرقل الاندماج.. إلى وقت قريب لم يكن بوسع السيدة الأوروبية أن تمارس حقها في سياقة عربة في شوارع الرياض، وإن قادها ظرف معين إلى بلاد الحرمين، فإنها ملزمة بالاندماج والتكيف الذي يعد الحرمان من السياقة مظهرا له، إذن لا حاجة لنا لنكون أذكياء جدا حتى نفهم أن الاندماج والحرية قد تعارضا في المثال الذي ذكرته، ولكم أن تضربوا قدر ما شئتم من الأمثلة لكي تجسدوا هذا التعارض.
    undefined

 

مقابل هذا الكلام، أرى أنه رغم التعارض النظري بين مفهومي الاندماج والحرية، فإنه من وجهة نظر واقعية بوسع المهاجر أن يتخذ من الاندماج مصدر اثراء لهويته.. نعم، فهو اذ يندمج فهو يقبل على الحياة بأساليب تفاعل جديدة تمكنه من التموضع مكان الاخر المختلف، ومن ثم فهو يغدو قادرا على رؤية نفسه، وهذا يسمح له بالإقبال على نفسه بشيء من النقد الذاتي.. ولأن الأخير أساس من أسس الرفعة والارتقاء بالفكر.. فإن المهاجر وهو يمارس النقد في حق ذاته يكون قد أثرى الفكر المكون لهويته.
 
قد يبدو ما أقول متناقضا لكنه قطعا ليس كذلك، إذ يرتبط الأمر بتمثل كل واحد منا لسؤال الهوية الحساس بين من يراها ثابتة جامدة لا تقبل التبدل ولا التغير، ومن يراها متغيرة وقابلة للتكييف. لا أعتقد أن يكون ثمة مشكلا في أن يتعايش في وسط واحد أفغاني ونروجي وكوبي ومغربي ونيوزيلاندي، فكل هؤلاء يشتركون في الأهداف وتجمعهم تحديات الحياة وهمومها رغم الاختلافات الثقافية بينهم، المشكلة تبدأ حين تدفع أطراف أخرى بنظريات سياسية وتستعمل لغرض ذلك أذرعها الإعلامية من أجل نشر ما شاءت من أراء وأفكار عازفة على وتر المعتقد والثقافة.
 
إن الاندماج في بلاد المهجر حتمية وضرورة لمن أراد الغوص في البنية المجتمعية المضيفة والتأثير فيها.. ولا يعقل أن يعلق المرء فشله في مواكبة أسلوب العيش في البلاد التي حل فيها على الارتباط المبالغ فيه بالهوية، حيث أن الأخيرة في نظري قابلة للتكييف حسب السياقات والوضعيات.
 
في كل الاحوال أعتقد أنه رغم كل القيم الكونية التي نتقاسمها كلنا فإن ذلك لا ينفي الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع على حدة.. وفي مثال الهجرة لا بد أن تغلب كفة القيم الكونية المشتركة على القناعات الفردية حتى نتمكن من تحقيق نوع من الاندماج مع الآخر دون حاجة منا إلى أن نجعل من الاندماج ذوبانا ثقافيا نفقد به خصوصيتنا وقناعاتنا.