شعار قسم مدونات

فلتكن مشيئة الله..

blogs لحظة تأمل

تمنى هذا القلب أشياءً لا حصر لها، كأحلام طفولية لا تتعدى امتلاك قطعة إضافية من الحلوى، أو أحلام أخرى شبابية نرجسية، عنفوانية، ووردية أحياناً، فهذا ما يميز أحلام الشباب غالباً.. ضعت في فترة ما بين أحلامي وهواجسي، بين ما أنا عليه الآن وبين ما كنت اريد أن أكون، نتيجة لذلك فقدت ذاتي في حسراتٍ على لحظاتِ ضعفٍ اجتاحتني ووقفت حائلاً بيني وبين ما أريد، أو في أوقات كنت أهرب فيها من حاضري لأعود إلى زمن كان فيه النصر حليفي وكل ما أريده ملكي وبين يداي..

 

وكل ذلك لم يجدِ نفعاً، فكأنني عن غير قصد زدت اشتعال النار في صدري بدلاً من اخمادها بتَغيُّبي عن الواقع والتحول الى شبحٍ أسودٍ يتفنن في التنقل بين لحظات وأخرى، فقط ليخلق مقارنات ما بين الكائن وما كان، فيفلح بهذا بغض بصري عن ما أملكه من مقومات أصنع بها مستقبلاً يفوق الحاضر والماضي جمالاً، فأجلس وكأن كل صوت حولي عبارة عن ضربات قلبي المضطربة، فتجتمع معاً على شكل يأس يصمُّ أذني، أو قنوط يضعف بصيرتي..

كنت ببعض الأحيان كما اليائس بوسط عاصفة ترتطمه الرياح من كل جنب، بجموع من المشاعر التي يستحيل إدراجها تحت مفهوم واحدٍ أو حتى سبب، بمشاعر اجتاحتني وحطمتني وجعلتني كالشظايا المتناثرة في كل مكان.. لم يكن الأمل قادراً على أن يخرج القوة من داخلي، كنت أتحدث بقلبي وكل جوارحي مع الله، لم الخسارة يا رب، لم الفقدان والخيبة؟!

 

لا بأس بخيبات الأمل أحيانًا، لا بأس بالخذلان، فقد منحني ذلك رؤية خاصة بالحياة، وفي سبيل هذا لا أريد أن أكون بعيدةً عن الصفات، لا أريد أن أتجاوزها، ما ينبغي أن يقلقني طول الانتظار ما دام مفتاح كل شيء بيد الله

أحب أن أوصف الأمل بأنه حقير؛ لأنه قد يمنح المرء القدرة على معانقة السماء وغيومها ثم يهوي به وعلى حين غرة إلى أخفض بقاع الأرض بنفس متعبة ترتجف كما ترتجف الرايات إثر يوم عاصف، لكن ماذا عن مشيئة الرب!! لا يمكن أن أنكر بداخلي بأننا نحن كمخلوقات ضعيفة زائلة نجهل كل الجهل ما يخفيه القدر لنا فنستعجل الأشياء بسذاجة ولا عجب في ذلك فقد خلقنا في عجل!!  ألا يكفي استرجاع بعض المواقف التي تمنيت فيها شيء وضاق صدري بمرارة الخيبة حتى كادت ضلوعي تنفجر، ثم وقفت عاجزة عن الحمد لأن الله أبعدني عن شيءٍ لم أكن أقوى على احتمال عواقبه، وكأن تلك المرارة كان مصيرها الزوال عند تبدد الضباب وتجلي العناية الإلهية..

  
أحدث نفسي أحيانًا أن الأحداث نِعمٌ ودروسٌ قدمت إلينا لنتعلم منها، كل شيء في الحياة وجد لهدف، ليس عن خطأ أو عن صدفة بل لغاية، بسخافة ظننت أنني بقصر عقلي قادرة على معرفة الخير في الأمور وتقريره، وبسخافة أيضاً استعجلت النتائج وأنا لا أرى سوى ما تعكسه لي سطحية الأمور من جمال وما خفي وراء ذلك كان أعظم..

 

كانت العاصفة ونفسي المرتجفة وابتهالاتي وانهزاماتي والشظايا المنتشرة في كل مكان طريقي الشائك نحو كل الأمكنة المحاطة بالسكينة والسلام، نحو سكينة نفسي وامتلاؤها بالرضى.. هبَّ الخير حيث كانت العاصفة تهبُّ بي، وأنزل السكينة في قلبي، كنت طفلة جاهلة عجولة تريد كل شيء دون روية أو اصطبار، وحين هبَّ عليَّ أول الخير رأيت كل السواد يغرق باللاشيء، لم أعد أرى الأمور كما السابق، أي صفعة كفيلة بأن توقظ ما كان نائماً فينا، أن تعلمنا ما كنا نجهل، تيقنت حين ذاك أن ما أسعى إليه وما سأنال لن يكون إلا بمشيئة الرب..

 
لا بأس بخيبات الأمل أحيانًا، لا بأس بالخذلان، فقد منحني ذلك رؤية خاصة بالحياة، وفي سبيل هذا لا أريد أن أكون بعيدةً عن الصفات، لا أريد أن أتجاوزها، ما ينبغي أن يقلقني طول الانتظار ما دام مفتاح كل شيء بيد الله، ما دام كل شيء يرتبه بحكمته وسابق علمه وكل شيء على وشك أن يتحقق بالمشيئة الإلهية، سأنتظر كل شيء من المستقبل، ولا بد أن يجيء الخير منها فقط في الوقت المناسب.. فكما قال الرافعي "أعلم أن الآلة التي تدير هذا العالم إنما تُدار من فوق حيث لا تصل إليها اليد التي تحاول أن توقفها أو تبطىء من حركتها أو تزيد فيها".

  
إن في عمري لمتسعاً، وكل شيء يدبر برعاية إلهية، سأتعلل بالصبر لاحتمل عدم تحقق الأمنيات والدعوات، لأظفر بالأفضل وأنال الخير منها، لذلك أقول: فلتكن مشيئة الرب، فلتكن مشيئة الرب..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.