شعار قسم مدونات

أسد قيد البعث..

مدونات - بشار الأسد وبوتين
 
تسعى الذاتُ جاهدة للبحث عن سُبُلِ الخلاص والسَّعي نحو الحرية دون التفكير في العواقب التي تصاحب كل تجربة جديدة، وما تراه النفس في تلك الوهلة هو الأمل ولا شيء غير الأمل، في بناء مستقبل مختلف، يمكن فيه لعامة الشعب أن يعيشوا نشوة الحياة من دون قيود أو أي شعور بالاضطهاد، فمنذ سبع سنوات خرج أحرار الشعب السوري في مظاهرات تنادي بالسلمية في شعاراتها وصرخات شبابها، تلك الحناجر التي دوت بأفكار نابعة من أعماق القلوب، أن لا سبيل للرجوع والخضوع مرة أخرى قابلها نظام الأسد بشتى أنواع اللهّب.
 
المتتبع للمجازر التي يرتكبها النظام السوري يدرك بأن لا بديل للشعب عن مواصلة الكفاح لإسقاط الديكتاتور والقضاء على جميع أذرعه في الدولة السورية مع عدم السماح بنشأة طاغية يتبنى مبادئ الثورة كما يحدث اليوم في جمهورية مصر العربية التي تعيش مرحلة خطيرة قد ترهن مستقبلها لقرن من الزمن وذلك بالتعدي على خيار الشعب.
  
لطالما خرجت الثورات عن مسارها وأصبحت تعكس بصورة أو بأخرى النظام الديكتاتوري الذي تم إسقاطه من ذي قبل لتكمل دربّه و تتبنى جوهره وأسسه لتعيد تشكيل نوع جديد من الاستبداد، يستمد شرعيته باسم الثورة هذا ما أشار إليه الفيلسوف أيميل سيوران في كتابه "بحث في الفكر الرجعي" يقول فيه: الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة، تتحول إلى ما هو عكس الاختمار والولادة فتكف عن كونها ثورة وتقلد، بل عليها أن تقلد ملامح النظام الذي قلبته، وكذلك أجهزته وطريقة عمله، وكلما بذلت جهدا من أجل ذلك (وهي لا تستطيع أن تفعل غير ذلك) زادت في هدم مبادئها والقضاء على حظوتها.
   
هذا لكلام في مجمله يجعلنا نتيقن بأن الثورة هي منحى غير مباشر لصناعة ديكتاتور جديد، وتبين بأن كل "ثائر يخفي في أعماق تمرده إنسانا رجعيا ينتظر الساعة المناسبة، ساعة الاستيلاء على السلطة، حيث يطرح التحوُلُ الفوضويّ إلى.. سلطة مشاكل لا يمكن لأية يوتوبيا أن تتجرَّأ على حلها، أو محاولة حلها" على حد قول سيوران في كتابه.. يمكن أن نستنتج من مجمل كلامه بأن الفوضى لها نتيجة واحدة حتمية وهي الدمار وهلاك الشعوب مع الحرص على بقاء نفس المنظومة في الحكم رغم ما تشهده من تغير للأشخاص إذْ لا حل لبدلاء الثورة من أجل البقاء في سدة الحكم إلا تبني نهج من سبقهم من الطغاة والحرص على العمل بنفس الكيفية وتطبيق إدارتهم بحذافيرها لتفادي الوقوع في أخطأ قد تكلفهم خسارة السلطة.. هذا ما يؤكده سيوران في نفس الكتاب ويقول: "ما من حركة تجديد إلا وتنزلق، في لحظة اقترابها من الهدف وتحقُّقها في الدولة، نحو آلية المؤسسات القديمة، لتسترجع التقاليد، وكلما تحددت واتضحت فقدت من طاقتها"..
 
undefined
 
يحيلني استنتاج هذا الفيلسوف الكبير إلى التدقيق في الثورات العربية التي دخلت نفق الحرب الأهلية كما حدث في ليبيا، ودول أصبحت هشة أمام العدوان الأجنبي نتيجة لفقدان السيطرة على الثورة التي هدمت الوطن من الداخل كالحاصل في اليمن، وأخرى عادت إلى نقطة البداية بانتخابها رئيسا انقلابيا سطا على خيار الشعب وزجَّ بالرئيس الشرعي في السجن، كل الأمثلة التي أمامنا في الواقع تؤكد بأن الثورة ما لم يتم رعايتها ستنجب ابنا عاقا أو تموت أثناء المخاض وهذا ما أخشاه على الثورة السورية، بعد كل ما قدمه الشعب من غال ونفيس لأجل أن تحيى سوريا في كنف الديمقراطية والعدل والسلام أن تقع في يد السياسيين الذين أعتبرهم وجهان لعملة واحدة وهي "النظام"، يشرح سيوران قائلا: "تكمن مأساة الحياة السياسية في تلك القوة الخفيّة التي تحمل كل حركة على إنكار ذاتها وخيانة إلهامها الأول، إلى فسادها المطرد مع تأكيد ذاتها وتقدُّمها فلا شيء يكتمل في السياسة كما في غيرها إلا على هلاكه".
 
ثمة شيء ما غامض ومقدس في الثورة السورية؛ أعتقد أن إيمانهم بالحياة قد أدى إلى تلطيف فكرة الموت حتى عند الأطفال الرضع، الذين نحسبهم شهداء عند الله فعندما يدرك الثائر بأنه فان لأجل قضيته؛ فمعنى ذلك في الواقع أنه قد انتقل إلى عالم الخلود دون أن يجتاز مرحلة الموت ويؤكد سيوران بأن الأمل في الحرية قد يصنع منك رجلا يؤمن بالمعجزات ويسعى للمجد حتى ولو كلفه ذلك العيش مكروها، أفضل له أن يموت منسيا.
 
"الجميل في الحرية أننا نتعلق بها في النطاق ذاته الذي تبدوا فيه مستحيلة" سبع سنوات من الصمود والدم تجعل الأمر يبدو مستحيلا ولا يمكن افتكاك الحرية من النظام الجائر وحلفائه لكن الأمل في غد أفضل، يمنح الثوار صمودا وقدرة رهيبة على الكفاح، فكل ألم هو فرصة للحياة في نفس الوقت، الأسد هذا المبيد، يلاحِّق كل ما يعيش، كل ما يتحرك، قريبا سنكتب عن نهايته كالبقية ولكن نحن عبيد، ونبقى عبيدا طالما لم نشفى من عادة الأمل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.