شعار قسم مدونات

أحمد خالد توفيق.. الكاتب الإنسان

مدونات - أحمد خالد توفيق

(1)
رحل الرجل الذي أحب لأجله أكثر أبناء جيلي القراءة، رحل الرجل الذي تشعر وأنت تقرأ له أنك تكون إنسانا أفضل، بل تشعر وأنت تقرأ له أنك إنسان من الأساس، بعدما تكاد تنسى هذه الكلمة ومعناها، رحل الأب والصديق والجدع والشهم والمؤدب والحيي والكابتن والشاب الصغير المقبل على الحياة، رحل سيدي الجميل الجليل الدكتور أحمد خالد توفيق.

 
عندما تجتمع البساطة المريحة مع جلال الحكمة وخفة الظل وتجارب البشر وخبراتهم في الحياة في إنسان واحد من أبناء هذا الزمان فهذا الإنسان سيكون هو الدكتور أحمد خالد توفيق، لا تسعفني الكلمات وأنا أشعر بائسا أن معنى الحياة يغادر الحياة، لكني تعلمت من هذا الحكيم الراحل كيف أن الفرح مُقَدَّمٌ على الحزن، وأن الحياة تسبق والموت وتلحقه فهو بينهما كالعدم، وأن الحياة سريعة جدا والعاقل هو من يعرف كيف يحياها حياة طيبة، رحل الرجل الطيب لكن طيبته بيننا باقيه في زمان صعب. لا أجد ما أودعه به خير من كلمات جليلة له لا أنساها، عن مفاجأة أصابته يوما فكتبها ففاجئتني فحفظتها عندي، ونشرتها وكلما أعدت قراءتها دهشت بها، ويظل يُدهش بها الناس كل حين على بساطتها، لكن جمالها لا ينتهي.

 

كتب الجليل الجميل يقول: فجأة وجدت أنني في الأربعين.. الخامسة والأربعين.. ثم سن الخمسين!.. هذه أرقام لم أسمع عنها من قط ولم أتخيل أنها ممكنة.. بدأت أشعر بالذعر عندما لاحظت أن الباعة يقولون لي «يا حاج».. والمراهقون يقولون لي «يا عمو». ثم ازداد الأمر سوءًا عندما صار الأولاد المهذبون يقفون لي في وسائل الموصلات كي أجلس مكانهم. أمس الأول رأيت سيدة مسنة تحمل حقيبة ثقيلة وتمشي في الطريق، فهرعت في شهامة لحمل حقيبتها عنها، ثم فطنت إلى أنني في الخمسين وقلبي مريض. شهامتي هذه ستبدو أقرب للسخف أو تجلب على السخرية.

 

أكثر ما يفتقده الناس ويبحثون عنه اليوم هو صدق الإنسانية وعمق المشاعر ونبل الأخلاق وجمال القيم. فالإنسانية أصل التدين، ولا دين لمن لا إنسانية له

مسن بعنف. مسن جدًا.. من المستحيل أن أجد أي شخص أكبر سنًا مني. أجلس في مجلس كبير فأكتشف ان كل الجالسين بين ثلاثين وأربعين عامًا.. الشيخ فيهم في التاسعة والأربعين!.. الحلاق الأشيب المسن الذي أحلق عنده سألني عن علاج النسيان، فقلت له إنه لابد أن يتوقع تصلب شرايين المخ في سنه هذه. قال في اتعاظ وأسى:
"بالفعل.. بعد 45 عامًا يجب ان يقبل الإنسان تداعي حواسه"!
"هل أنت في الخامسة والأربعين"؟
"نعم.. وأنت يا حاج"؟

 
ابتلعت لساني.. وفضلت الصمت. مع الوقت صرت أشعر كأن كل من في الخامسة والأربعين طفل كان يرضع البارحة ويبدلون له الكافولة. لهذا أحب جدًا صداقة اثنين أو ثلاثة ممن يكبرونني سنًا. عم حسين البواب العجوز في بنايتنا.. كم هو شخصية رائعة ذكية.. إنه الصديق الأمثال. هؤلاء الذين في الستين.. أين هم؟.. لماذا صاروا نادرين؟ أما أشنع اللحظات فهي حين ترى فتاة حسناء تروق لك، فتتودد لها ليكون أول لقب تناديك به هو «يا عمو». هذه أقرب لصفعة على وجهي بلا شك.

 

ليس هذا أسوأ من صديقي طبيب الأطفال الذي قابل في إحدى الحفلات فتاة بارعة الجمال. كان مطلقًا يبحث عن عروس جديدة، وبدت له هذه الفتاة مناسبة جدًا. وجد أنها تحدثه في حرارة وحب حقيقيين، وأعطاه هذا انطباعًا بأن الطريق ممهد لقلبها. قال لها:
ـ "أشعر أننا التقينا في زمن ما في مكان ما"..
قالت في مرح:
ـ "بالفعل .. أنت كنت الطبيب الذي يتابعني وأنا في الحضّانة بعد ولادتي!.. لقد ولدت قبل موعدي كما تعلم"! طبعا يمكنني أن أتخيل ما حدث بعد ذلك.. لقد تبدل وجهه إلى اللون الأحمر واعتذر لها وانسحب.. اللحظة التي تتحول فيها من «كابتن» إلى أستاذ إلى «عمو».. هذه لحظة قاسية ومروعة..
 
انتهى كلام الأستاذ.. وأنا أقول: رحمك الله  يا "عمو" الذي عاش طوال حياته بروح الـ "كابتن" وعلمنا كيف نحاول أن نعيش كذلك، إلى روحك يا سيدي سلام وحب.

 

أحمد خالد توفيق (مواقع التواصل)
أحمد خالد توفيق (مواقع التواصل)

  

(2)
أيها الناس:
لقد رحل الذي كان يذكرنا بالله،
رحل رمز الحق والخير والجمال،
رحل الجسد النوراني وبقي نوره في قلوبنا،
فقط بقدر طاقة هذه القلوب الضعيفة على استيعاب القبس المأخوذ عنه،
رحل الجميل الجليل النبيل،
أحمد خالد توفيق،
رحل كاتب يوتوبيا في يوم فوز صاحبها

 

(3)
سفارنا إلى طنطا بلد الراحل الحبيب، وصلينا الجنازة وحملنا الجثمان وسرنا به إلى المقبرة، ومنذ جنازة شيخنا عماد عفت لم أحضر جنازة بكل هذا القدر من الجلال والجمال، رأيت مصر كلها هناك، الرجال والنساء والشيوخ والشباب، من أنحاء مصر المختلفة جاءوا، بقلوب محبة ومشاعر صادقة جاءوا، لوداع راحل طالما رحل بقلوبهم وعقولهم إلى آفاق من الجمال جاءوا، غادرنا طنطا لكن بقيت قلوبنا فيها، فمن لنا بقلوب جديدة بعدما تفتت قلوبنا لوداع أحبابها، إنا لله وإنا إليه راجعون، وداعا أحمد خالد توفيق.

  

لن نمل يا سيدي، سنحاول، وسنكرر المحاولة ألف مرة، وسنرغب دائما -برغم أخطائنا- في عالم أجمل، فأنت "أحمد خالد توفيق" من ألهمتنا ورأينا فيك واقعا متجسدا أن الأفضل الإنساني ممكن

(4)
أما أنا فأريد أن يُكتب على قبري "جعل الشباب يقرأون"
كلمات قالها أحمد خالد توفيق
ونقول له:
قد جعلتهم يقرأون يا سيدي، وقد كتبها أحدهم على قبرك بعد دفنك، وكتبها في اليوم التالي كثيرون ممن أحبوا القراءة على يديك، فنم قرير البال مطمئن النفس قد أديت الأمانة، رحمك الله ورضي عنك أيها الأحمد الخالد الموفق.

 
(5)

إلى من لا يفهمون حزننا على الأستاذ لأنهم لم يعرفوه، إذا أردتم منا اختصار هذا الرجل في كلمة واحدة نقول لكم: كان إنسانا، فإن أردتم زيادة قلنا: كان إنسانا في زمان المسوخ!

 
(6)
وفاة الدكتور أحمد خالد توفيق وتلقي الشباب لها وتفاعلهم حزنا وتأثرا بها على اختلاف أنماطهم وتوجهاتهم يعكس صدق المقولة التي نرفعها شعارا لدروسنا في شيخ العمود أنه يجب أن نتعلم ما يكون به الإنسان إنسانا قبل أن نتعلم ما يكون به المسلم مسلما. إن أكثر ما يفتقده الناس ويبحثون عنه اليوم هو صدق الإنسانية وعمق المشاعر ونبل الأخلاق وجمال القيم. فالإنسانية أصل التدين، ولا دين لمن لا إنسانية له، فالإنسانية وعاء والدين ماء، وشرب الماء الطيب من الوعاء المتسخ ضار شديد الضرر كما رأينا كثيرا ونسأل الله السلامة والعافية.

 
(7)
إن رثاء وذكر أحمد خالد توفيق لن ينتهي، وكلما فتحنا كتابا أو استمتعنا بمعلومة أو قرأنا مقالة مفيدة جميلة سنتذكره، وليكن آخر ما أكتبه عنه في الآن هو قوله رضي الله عنه: "الناسُ لا ينقسمون إلى ناجح وفاشل، ولكن إلى: مُواظبٍ وسريعِ الملل"

 

لن نمل يا سيدي، سنحاول، وسنكرر المحاولة ألف مرة، وسنرغب دائما -برغم أخطائنا- في عالم أجمل، فأنت من ألهمتنا ورأينا فيك واقعا متجسدا أن الأفضل الإنساني ممكن، أستاذ جيلنا وصديقنا وسيدنا أحمد خالد توفيق.

 
إلى روحك يا سيدي سلام وحب
محبك بين ملايين من محبيك: أنس

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.