مخيمات اللجوء في المحرر السوري.. بارود فوق الجمر

مدونات - مخيمات سوريا

لم تعد مفاجأة لأي متابع أن وجهة كل باص أخضر يجمع داخله عشرات المحاصرين من بقايا البقع الخضراء المحررة في أنحاء سورية إثر كل اتفاقية ستكون وجهته الشمال السوري المحرر. خرج المهجرون قسراً ولم يخرجوا معهم مفاتيح البيت الذي لم يتبق منه سوى ذاكرته المدفونة في حفرة صاروخ عابر للقارات أصابه فدمره أو برميل أحمق رماه من شاهق أحمق آخر ممتنع بعلو طائرته الحربية وصلب معدنها المصفح ولم يلتفت إلى دموع الناجين ولا دماء المساكين. كأن الجميع يدرك أن لا عودة في المنظور المأمول أو في مآل المغلوب على أمرهم وأصبح الكل في شمال البلاد كيوم ولدتهم أمهاتهم بكاة وعراة وجياع خرجوا من بيوت مدمرة بقلوب مدمرة وآمال مقطوعة وأضحت خيام الشتات جدر تدون عليها تواريخ النزول في تجمعات القفاء ورقعها الملونة أداة تضبط بها أيام الشقاء.
 
انظر إلى تلك الخيمة فيها رقعتين من عامنا الأول وعمود مكسور من عاصفة العام الثاني ونوافذ فتحت قسراً في جبين الخيمة في حر العام الثالث وخلفها يرقد المحرومون من أرضهم بعد أن ملوا الانتظار ولم تسعهم أمتارها الضيقة رحمهم الله. في الشمال المدمر لم يأمل المهجرون أن يجدوا جنة الميعاد وإن أملوا أن يأمنوا غدر زبانية النظام فلن يأمنوا غدر الجوع وقلة ذات اليد وظلام الجهل فأصبحت المخيمات أكثر من تجمعات للأقمشة والهياكل الحديدية بل هي تجمعات للتشرد والفقر والعوز والضيق يسكنها مقاتلون يائسون يشتاقون لرائحة البارود وحبات أرز النصر فوق جباههم وهم في طريق العودة من نصر مبين ورجال حائرون يتلمسون بعض ما يسد رمق العيش وأطفال أميون منفصلون عن البشرية في أدغال الخيام.
 

الشمال المحرر بأراضيه وبيوته وأسواقه وخدماته وقيادته ومسؤولياته ليس ملكاً لأهله فقط بل هو ملكية مشتركة لكل من فضله عن بقاع الأرض وعلق عليه بقايا الأمل وهو يمثل سورية الحرة

والحال هذا أضحى أشبه ببرميل البارود الذي ينتظر شرارة الفتنة كيف ينفجر ليحترق ويحرق معه الشمال كاملاً وخاصة أن لا استراتيجية جدية لاستيعاب الطاقات البشرية الهائلة في المخيمات ولا حلول قريبة للمشاكل المتنامية، وإلى الآن تغمض الدول الداعمة للمهجرين عينها عن هذه المخاوف وتعلن المؤسسات إفلاس حلولها وانعدام قدراتها وكأن الجميع ينتظر أن تمطر السماء إجراءات جدية مصحوبة بالذهب والفضة. وتستحضر هذه القضية في ذاكرتي الحكمة النبوية التي دفعت الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى التعجل في توقيع وثيقة المدينة المنورة بين المهاجرين رغم قلتهم والأنصار ويهود المدينة وذلك في العام الأول من الهجرة فشرط على الناس واشترط عليهم وشملت الوثيقة كل جوانب الخطر المحتملة التي كانت تظلل المدينة من حقوق وواجبات فنظم بها العلاقات ووضع مرجعيات حل الخلافات ونظم الدفاع والأمن المشتركة وبذلك حصن الرسول -عليه الصلاة والسلام- مدينته التي ولى إليها كل مظلوم وجهه ووجد فيها منزلاً جديداً لدعوة الحق وانطلق منها حتى منّ الله على الذين ظلموا بفتح مبين.

 

في الجانب الآخر فلنا في تجربة المخيمات الفلسطينية دورس وعبر حيث بدأ سكان هذه المخيمات يتزايدون منذ عام 1948 حتى أصبحت عبارة عن مجمعات سكنية كبيرة للفقر والحاجة ومقراً لكثير من المقاتلين والقوى العسكرية وأدت ممارسات الدول المضيفة المتمثلة في إهمال المخيمات وتقييد ساكنيها وعدم إدماجهم إلى جعلها مسرحاُ للمضاربات السياسية وأداة سهلة لتقويض الأمن الداخلي وتجلى هذا بحرب المخيمات في عام 1976 والاضطرابات والمعارك المتتالية وكأنها أشبه بجسد مريض تلوذ إليه الأمراض والعلل.

 

ولكي تنأى مناطق الشمال السوري الحاضن الأكبر للمهجرين السوريين لابد لها من الانتباه لهذا الخطر بشكل مبكر إذ ينبغي التأكد من استيعاب المقاتلين الوافدين من ريف دمشق وحمص وحماة وغيرها ضمن تشكيلات الفصائل القائمة حالياً ليلعبوا دوراً في الاستقرار وحفظ الأمن من المخاطر الداخلية والخارجية بالإضافة إلى ضرورة إشراكهم في قيادة المناطق المحررة ليكونوا في موقع المسؤولية بدلاً عن الإحساس بعدم المبالاة كنتيجة للتهميشهم، ولابد من إفساح المجال لهم من أجل كسب الرزق والعمل وتوجيه الجهود بشكل كبير من أجل دعم المدارس والمراكز الشبابية والبرامج المهنية وتأمين الخدمات الأساسية كالصحة والبنية التحتية، وإن أي إهمال لهذه المخيمات وتجمعات الإيواء اليوم سيحولها خلال فترة قصيرة إلى أكبر مناطق الخطر على ما تبقى من سورية المحررة.
   

undefined

 

ولكن كيف سيكون ذلك؟

لا يتحقق ذلك عبر الجهود المتواضعة والعشوائية التي تقدم حالياً في المخيمات وذلك لعدم كفايتها أولاً ولعدم وجود استراتيجية واحدة يساهم كل الفاعلين فيها حسب اهتماماتهم، وهنا لا أوجه إصبع اللوم إلى فريق واحد إذ أن الفاعلين الدوليين والمحليين والأفراد والجماعات متورطون بهذا على حد سواء وتعتبر إدارات المخيمات والسكان فيها أول مسؤول عن المسارعة بتقديم المبادرة لوضع استراتيجيات تهتم بتنظيم تجمعات المهجرين وتخديمها، وكذلك الأمر فإن المؤسسات المحلية عليها مسؤوليات كبيرة تتعلق بتحديد أعداد السكان في كل مخيم أو تجمع وأماكن توزعها وانتشارها بدلاً عن الواقع العشوائي التي تعيشه اليوم والتصاقها ببعضها مما يعيق إيجاد فرص العمل ويجعل من مهمة تنظيمها أمراً شبه مستحيل إذا استمرت على هذا النمو، وخاصة إذا وضعنا في الحسبان نسبة النمو السكاني التي ترتفع بشكل مخيف عاماً تلو عام وعلى منظمة الأوتشا أن تلعب دورها الحقيقي في قيادة المانحين والمنظمات الفاعلة نحو تنسيق حقيقي يتعلق بنوعية الخدمات المقدمة وكمها.

 

أخيراً: إن الشمال المحرر بأراضيه وبيوته وأسواقه وخدماته وقيادته ومسؤولياته ليس ملكاً لأهله فقط بل هو ملكية مشتركة لكل من فضله عن بقاع الأرض وعلق عليه بقايا الأمل وهو يمثل سورية الحرة وسورية الكريمة التي أبت أن تستبدل حريتها بكسرات خبز ممزوجة بالإهانة يهبها أركوزات النظام السوري، وإن تجمعات المهجرين والمخيمات الكبيرة تقف على مفترق طرق فإما أن يحسن إدارتها واستثمارها فتتحول إلى ورش عمل كبيرة متنوعة في خبرتها وحرفها تنوع ساكنيها الوافدين من جهات الدنيا كلها، وإما أن تهمل وتؤجل فتكون أشبه ببرميل بارود يسخن بالتدريج حتى يصل لساعة لا ينفع فيها حسرة ولا مراجعة ولا لوم.