أحمد خالد توفيق.. شمسُنا التي لن تغيب

مدونات - أحمد خالد توفيق
أنا مُتألّمٌ للغاية، أشعر كأنّ الدنيا غيمةٌ من السّواد تلفّني.. ولا تريد أن تنقضيَ، الألم ينخرُ داخلي دون توقفٍ منذ علمتُ بالخبر المشؤوم، أتمنّى أن يكون كل ما جرَى مُجرّد حُلُمٍ أو مُزحَةٍ سخيفةٍ أو حتى كَذِبةٍ تافهةٍ ممّا عوّدَنا عليها أبريل. لأول مرةٍ أبكي منذ وقتٍ طويلٍ، بعد أن يئِسْتُ أن تزورني الدموع، لكنّه الموت، المصيبة الأكثر إيلامًا، والضيف الأشدّ قسوةً في عالمٍ يكتُبُ تذكرة الخروج منه.. للأنقياء أولًا.

   
أعترفُ أني لا أُجيدُ الكِتابة، خاصةً إذا تعلّقَ الأمر بالرّثَاء، فما بالُكم إذا كان الحديث عن أحدِ أهمِّ من التقَيْتُ على الإطلاق، سأكتبُ فقط لأن جوارحي أجبرتْني على الغَوْصِ في الحديث عن رحيلِ العرَّاب، أبِينا الذي اتَّخذَ من طنطا بوصلةً للحياة، ومن جِوار السيّد البدويّ موطنًا للأُنس والسّكَن.

  

أنا من الجيل الذي تعلّقَ بأحمد خالد توفيق عبر مقالاته الدوريّة في جُلّ المواقع والجرائد التي كان ينشُر لها، رغم أنّني لم أستمتعْ بما أورثنا إيّاه في فنّ الرواية.. لكنْ تبقَى يوتوبيا نُبوءَتَه الصادقة الصادمة التي جعلتنا حيارَى قدرًا من الزمن قبل أن تتحقّقَ في وطننا، البقعة الخالدة التي أنشدها أبونا حبًا منقطع النّظير. لستُ من الجيل الذي نشأَ على قصص الرعب التي كتبها، لم أتابع رفعت إسماعيل أو عبير عبد الرحمن، ولم تشغلني ما وراء الطبيعة أو فانتازيا أو سفاري؛ فقط لأنني نشأتُ في كَنَف الرافعي ومخطوطات المنفلوطي والعقاد وبعض مما تركه لنا محفوظ، لكنني كنت شغوفًا بأسطورة خالد توفيق في فن المقال، اعتبرتُه عالَمًا مُستقلًا بذاته في هذا الحقل الأدبيّ المُهمّ، وأعتقد أنّه من أفضل الذين كتبوا في فن المقال باختلاف أنواعه على الإطلاق.
   

كان العراب الرمز الذي يُحتذَى به والقدوة التي رسموا حبها في قلوبهم قبل عقولهم. اصطحبهم في المقاهي والشوارع والندوات، بل إنه كان يصطحبهم معه بسيارته الخاصة

أستاذنا الذي كان فيلسوفًا حاذقًا في طبّ المناطق الحارة بجامعة طنطا، هو من غيّبه مرض الرّبو عن احتِشاد الملايين في ميدان التحرير، لكنّ الثوار اتّخذوا من قلمه مَنارةً يهتدُون بها في دَياجِير الظلام، واكتفَوْا بحروفه إرثًا يُعينُهم على الوُلُوج في عالم القراءة، لكأنّي فعليًا لا أرى بيتًا في مصرنا الغالية يخلُو مما كَتَب.
    
أسطورة خالد توفيق لم تكن أدبيةً فحسب، فالرجل ليس ببراعةِ نجيب محفوظ.. ولا بعُمق ديستويفسكي.. ولا بقوة تشيخوف، لكنه جمع بين أصالة القلم وتخليد القضايا الإنسانية والمجتمعية في كل كتاباته، كَتَب في كلّ شيء وعن أي شيء، تحدث عن الرعب والعولمة والثقافة واختلاف الأفكار واللغات والطب والثورة والمرأة، لم يترك مجالًا إلا ودخلَ فيه، ولم يبصِر عالَمًا إلا واستكشَفَه، كان مُحبًّا للسينما.. من يراه يعتقد للوهلة الأولى أنه مُخرجٌ أو مُصوّرٌ مُحترفٌ، كان مُترجمًا.. استطاع أن يحوّل الرواية العالمية (Fight Club) إلى نسخةٍ عربيةٍ بلغتنا العزيزة تستحقّ الاقتناء، وإلى كل ذلك كان مصريًا وطنيًا حد الفخر، حين تساقَطَ الرموز واحدًا في إثر واحدٍ بقيَ هو يصدَحُ بالحقّ على مِنبَره الخاص وفي كل المنابر التي يعتلِيها، وحين ركَنَ الناس إلى الهاوية وضِيقِ الأفُقِ كان هو صاحبَ بصيرةٍ لا تُخطئُ.. اتّخذَ من حُبّ الوطن سبيلًا للنّجاة وعَرَجَ إلى الحرية ليعيش كريمًا كما علّمه أبُوه.

 

blogs أحمد خالد توفيق (مواقع التواصل الإجتماعي)
blogs أحمد خالد توفيق (مواقع التواصل الإجتماعي)

 

كان بسيطًا، متواضعًا، يقبل النّقْد من الصغير والكبير، مُقبِلًا على الحياة، أمينًا في نُصحِه، متأنّقًا في حروفه، التقيتُه مرةً واحدةً على أرض الواقع حين احتضنتنا سويًا مناقشةٌ لروايته الأثيرة يوتوبيا بقاعة المؤتمرات بكلية الآداب.. جامعة القاهرة، وبرغم أنني أخاف مُصافَحَة المشاهير والأعلام إلا أنّني وجدتُ قدميّ تسوقُني إليه، كان بشوشًا، مرِحًا حدّ اللّطْف، مؤنِسًا لا تَعترِيكَ أمامه وحشةٌ، حين أخبرتُه عن حيرتي بين استكمال دراسة الهندسة لأجل المجتمع والغوص في بحار شغفي باحثًا عن دُرر الأدب داخل حرم الآداب أو دار العلوم.. ربّتَ على كَتِفي بحنان أبٍ ثم قال: اتفقنْا على حبّ الأدب وإن اختلفتْ بعض التفاصيل، لأنّني كنتُ أرغب في اللحاق بركب الآداب لم أشعر بالطب إلا بعد مرور السنة الرابعة، وأنت الآن تُصْلِيكَ نار الحيرة بين خَيرَيْن؛ إما السّيْر في طريق شغفكَ أو احترام رغبة العائلة ومن خلفها آمال مجتمعك الصغير في القرية وإكمال مسيرتكَ الهندسية، لِمَ لا تجمع بين الأمرين؟ تغدو مهندسًا بارعًا وأديبًا لا يُشقّ له غُبارٌ، كل ما عليك أن تجتهد حد السماء دون كَلَلٍ أو مَلَلٍ.. أتمنّى أن أراكَ قريبًا نَجمًا لامِعًا في سماء الأدب العربيّ والعالميّ يا بني. ليتَه هنا لأعرضَ عليه قصتيَ الجديدة، وأستشيرَه بأمر روايتي التي قاربتْ على رؤية النّور.

  

خالد توفيق الذي تُوفّيَ عن عمرٍ يُناهِزُ خمسةً وخمسين عامًا كان الأبَ الروحيّ للشباب، خاطبهم في كل أحاديثه، وبثّهم من روحه مشاعر الدفء والسكينة والأمل، وقطع بصحبتهم أشواط الحياة، فكان الرمز الذي يُحتذَى به والقدوة التي رسموا حبها في قلوبهم قبل عقولهم. اصطحبهم في المقاهي والشوارع والندوات، بل إنه كان يصطحبهم معه بسيارته الخاصة حين تتوحّد خارطة الطريق.
    

undefined

 
في كتابه "قهوة باليورانيوم" قال العراب: كان من الممكن أن تكون جنازتي في الثالث من أبريل، قال ذلك بعدما داهمتْه نوبَةٌ قلبيةٌ مريرةٌ في ذلكم الشهر قبل سبع سنواتٍ، لكنه لم يدرِ أن القدر سيوافق حرفَه ليكون الثلاثاء الذي وافق الثالث من أبريل لعامنا الحاليّ يومًا نُكّسَتْ فيه راياتُ الشباب واحتلّ اللون الأسود جانبًا من حياتهم؛ لأن الرجلَ الأنقَى الذي عاشروه مات كريمًا بعد أن عاش حرًا كما ينبغي لوطنيٍّ مثله.

 

يظل الموت سهمًا نافذًا رغم إرادة الجميع، ويبقى الرحيل إلى الدار الآخرة مسألة خطيرة تُفاجِئنا كلما نسيناها أو تناسينا ألمها، ويستمر الفقد عنوانًا للعذاب الذي يأتي على حين غفلة. حين اختار الموتُ العرّابَ لم نكُنْ ندري أن ملايين الشباب سيبكون بحرقة، ظنَنّا أن منابع الدّمع تحجّرَتْ.. لكنها أبَتْ ألّا تُمطرَ في يومٍ كهذا، رحل العرّابُ بعد أن أدَّى رسالته كما ينبغي تمامًا.. من غير زَيْفٍ أو تحريفٍ أو ضلالٍ.

 

أعزّائي القُرّاء، من يلتقِ منكم بأبينا الطنطاويّ أحمد خالد توفيق في جنّات عدنٍ -كتبَها الله لجميعنا- يُخبرْه أن مشهد جنازته كان جميلًا ومؤثّرًا للغاية، ليخبرْه أن قلوبنا توقفتْ مرتَيْن.. مرةً حين وفاته والمرة الأخرى حين نقلناه إلى مثواه الأخير، ليخبرْه أيضًا أن حزننا لفراقه هو الشيء الوحيد الذي توحّدتْ عليه جميع التيارات بعد ثورة يناير، ولا ينسى إخباره أنّ رسالته وصلتْ إلى الوجهة التي أرادها.. حين قال في لحظة أملٍ وتأمّلٍ للغد القريب: أودّ أن يُكتَبَ على قبرِي، جعل الشباب يقرأون.