الكتاب الذي هجرت!

blogs - reading
القراءة لمن عشقها رفيق وجليس في أسعد الأوقات وأحلكها، وربما حبيب يغني عن حب البشر. هذا الوصف ليس مبالغًا فيه لمن يعشق الكتب؛ فتراه يستعد لموعد شراء الكتب كمن يستعد لحضور عُرسه، ومن أجل هذا اللقاء يقضي الأيام والشهور في الادخار كي يستجلب أكثر قدر من الكتب. وحينما يأتي اللقاء المنتظر ويخطو أول خطوة إلى المكتبة التي يعشق الشراء منها، يشعر بنشوة غريبة ما أن تطأ قدمه أرض المكتبة، فيرى الكتب مصطفة هنا وهناك، من كل ما لذ وطاب: أدب، وفلسفة، ودين، وسير.. يا له من لقاء حار. 

حينما تعود للمنزل لتختلي برفاقك الجدد وتتعرف عليهم واحدًا تلو الآخر، وتفرد لكل منهم من وقتك وشعورك؛ قد تصادف من بين هؤلاء الرفاق رفيقًا لم تألفه ولم يألفك، فتجد فراقكما محتومًا فتهجره لغيره، وربما تتحسر على نقودك التي انفقتها فيه وعلى وقتك الذي ضيعته معه.

القراءة هواية قائمة على الامتاع بكل حال؛ فإذا لم يمتعك هذا الكتاب فاذهب لغيره، لكن عليك أن تعود يومًا. لكم غادرت كُتبًا وعدت لها؛ وكانت أعظم الكتب التي قرأت، لا لم تكن الكتب هي التي تغيرت، بل أنا التي تغيرت. أذكر أنني في المرحلة الجامعية سمعت بكتاب" طوق الحمامة في الإلفة والآلاف" لكاتبه الإمام ابن حزم الأندلسي، وأعجبني موضوعه، وبالفعل اقتنيته وروحتُ وكلي شوق لتصفح صفحاته علي أجد المعاني التي تخيلتها عنه؛ لكن الحقيقة المؤسفة أنني لم أجد شيئًا على الإطلاق. كانت النتيجة صادمة بالنسبة لي؛ فلم أفهم حرفًا من الكتاب، ولم أجد بين صفحاته المعاني التي رسخت في خيالي عنه إثر ترشيح من أحد المُثقفين وكانت تدرسني بالجامعة حينها.

  

لا يوجد كتاب عديم النفع أو رديء بنسبة مئة في المئة إن لم يكن به نفع لما به؛ فسيكون به نفع تجنبه وتجنب من هو على شاكلته من الكُتب ومن هم على شاكلة كاتبه

مر عامان ولم أقرب فيهما هذا الكتاب -ولم أفكر- حتى قررت ذات لحظة وأنا أُعيد تنسيق كتبي، في إعطائه فرصة أخرى؛ علنا نتفق هذه المرة. العجيب أنني أثناء تجولي بين صفحاته وددت لو يطبق عليّ هناك ولا أخرج أبدًا من هذه الأجواء المليئة بالعشق والهيام، والزهد والتقوى.. أي كتاب جميل هذا! أتممت الكتاب وكلي حزن وحسرة على فراقه، لكن مهلًا كيف تغير الحال؟ كيف تحول الكتاب من ورق أتحسر على نقودي التي انفقتها فيه إلى أجمل الكتب التي قرأت؟!

 

حينما ابتعت الكتاب كنت ما أزال حديثة عهد بالقراءة والثقافة واللغة، ولم أكن ارتقي بعد للغة كهذه؛ فلم أفهم حينها أنني أمام كنز أدبي وبلاغي. لم يكن هذا الكتاب هو أول كتاب أهجر، ولن يكون آخر كتاب انصرف عنه فقد صادفت فيما بعد كتب كثيرة لم تستهويني ولم يجذبني سياقها؛ ولم أتردد لحظة في هجرانها لكن هجر له عود. لماذا نعود والكتب لا تتغير لن يعود كاتبها ويعدل ما لم يعجبني بها؛ لكن نحن من سيتغير، ولا أقصد بالتغيير هنا التغير الثقافي والوعي الأدبي فقط؛ فقد يكون التغير مزاجيًا كما حدث معي في كتاب آخر، لا أدري أكنت أعاني من نوبة اكتئاب وزاد هذا الكتاب من حدتها، أم أن الكتاب وحده تكفل بكآبتي؛ لكنني على كل حال تركته على أمل أن أعود له في وقت يكون مزاجي قد تحسن فيه، أذكر كذلك أنني هجرت كتابًا ذات مرة لشغفي بكتاب آخر، وأحيانًا أهجر كتابًا لضيق وقتي والتزامي بأشياء أخرى، المهم أنني في كل مرة أعود وأجد أشياءً لم أكن أبصرها في أول جلسة جمعتني بهم.

   
الكتب ككل شيء نمله ونزهده؛ لكن يجب أن نترك باب العودة مشرعاً؛ فمن يدري ماذا تخبئ لنا الصفحات، وما تدخره لنا السطور. لا يوجد كتاب عديم النفع أو رديء بنسبة مئة في المئة إن لم يكن به نفع لما به؛ فسيكون به نفع تجنبه وتجنب من هو على شاكلته من الكُتب ومن هم على شاكلة كاتبه. إذا كان هناك شيء يستحق المحاولة مرارًا وتكرارًا فهي الكتب التي هُجرت في مكتباتنا وكساها الغبار، تلك الكتب التي لم تقترف ذنبًا سوى أنها استهوتنا ذات يوم، وذات يوم آخر قررنا أنها لم تعد تروقنا. لا تعتزلوا الكتب عن زهادة فيها؛ فهذه الكتب كنوز لم تُفتح بعد، ربما أنتم من أخطأتم في تأويل رموزها وفك شفراتها.