شعار قسم مدونات

أحلامٌ ثائرةٌ جداً

مدونات - فلسطين

تعرف إلى عينيك الهزيلتين في المرايا المتروكة في كل زاوية من هذا المكان، وانظر لهما جيداً ولا تنس أنه من واجب الحلم أن يكمل ما بدأه وأن لا ينجرف مع تيارات الانتهازية أو الرأسمالية أو كل المحاولات القهرية لجعلك مجرد متسول على أبواب أرباب الانتهازية، هناك نار أبدية أحملها في حقيبتي حيث أسير ولكنها لا تحرق أحداً سواي، ولكنكم تحملون اليوم عصاً حديدية كي لا يمسكم قبس منها ولا رماد، لا سياط..

 

أخاف أن يسألني أحد عن هويتي فلا أجيبه، هويتي التي تؤكد أنني لست ممن وضعوا بصمتهم في تبديد ضفتين، والحقيقة أن الضفتين كل منهما أشد خسئا وكذبا من الأخرى، كيف يصبح انتمائك إلى نفسك عاراً، وكيف تصبح ثورتك ضرباً من الجنون، تلك التي جعلتك طريح الأقدام، دمية الصفقات المعقودة والمطهوة على مهل، تلك التي يضع طهاتها كل ما يمكنهم وضعه لتشعر بلذتها ولكنك ما زلت لا تتذوق سوى المرار وتتنفس رائحة الدم المحترق من أوانيهم.

 

في الوقت الذي تترك رغباتي آثرها على جسدي كندبات، لست وحدي المتلون بجسد أزرق، هنا ألف يُكتِفون أذرعهم وفي صمتهم صرخات تود لو أنها تنفجر، في عيونهم الجاحظة ألف حكاية ناقصة وإيمان يرفض أن ينقص وفي أياديهم المنقبضة لكمات كثيرة لم توجه، هذه البقعة الكامنة بين منفذين مشمعين، مليئة بمن هم مثلي، لا نريد أن نشبه أحداً سوى أنفسنا ولا نريد لأحدٍ أن يذكرنا بعد مئة عام من رحيلنا، كنا نريد فقط أن نسير على ضوء الكواكب المتوهجة في صدورنا، دون حواجز وغرف تفتيش لعينة، تلك التي عليك أن تحمل في جيبك مخدراً كي تتماسك حتى تخرج منها إلى التي تليها دون أن تكون وجهتك التالية قيد مؤبد وتهمتك رفض الانكسار في غرفة باردة جدارها غير ساتر، عندما تصل إلى الأخيرة، كأن قلبك قد توقفت ثوراته.

 

أجداد أشتعل الشيب في رأسهم، يوصي أحفاده: "أقيموا صيوان العزاء في يافا"، لقد خانته ذاكرة العودة، لم يكن هذا الموعد المتفق عليه لرحيله، لقد تعهد على نفسه أنه سيرجع

كنا نتفاوت في الصبر على جرع المخدر المؤقت ومنها ما كان ناجحاً ومتمكناً من أصحابه فخلصهم من عدوى الحياة سريعاً، كنا صحب في طريق واحدة وتساقطنا على الطريق شيئاً ف شيئا، في الحقيقة لقد كنت أحب اللون الأزرق حتى قرروا جعله لون اللجوء، ومنحوا جدي كرتاً أزرقاً يثبت هزيمته، كنا نحرص على تناقله ك ميراث ثمين، هل نحن بحاجة له لنعود يوماً ؟ أعتقد أنه أحد أنواع المسكنات التي نتعاطاها أيضاً، كلها تطيل في عمر الصبر، أو تفتك به بلا عودة..

 
كنت أقول دوماً أننا مجرد دمى محشوة بالقطن خيوطها سميكة وجلدها قاسٍ، لا بأس لنا في حرب ولا سلم، عند الحروب نحن أول الضحايا ونحن الذين يتاجرون بالموت في سبيل أوطانهم، يبدو الموت أكبر فداء نفعله، وفي السلم لا زيادة ولا نقصان، يمضي كلٌ إلى عمله كأنه قتيل لم تتسع له قبور المعركة الأخيرة، هذه حياة أصابها الجمود منذ سبعين عاماً، كل الأقدام العارية الهاربة على صخر اللجوء، كلها لم تعد موجودة وما زالت مفاتيحهم، كلهم يعلمون أن أبوابهم لم تعد قائمة، ومفاتيحهم الصدأة لن ينفع معها أي حل ولن تعود قادرة لتفتح بيارات البرتقال، أي أرض يا جد الأرض، لا أرى إلا أطفال يهرعون إلى أمهاتهم، بعدما اتخذوا من البندقية الخشبية لعبة مفضلة عما سواها، وإني أرى مقامر ماكر يظهر في رداءِ خاسر، يبيع ويشتري ويضع الأسعار البخسة لما لا يمكنك بيعه، وعندما تجيبه بالرفض فإنه يتراجع عن فكرة الشراء ويختار الاستيلاء.

 

وأجداد أشتعل الشيب في رأسهم، يوصي أحفاده: "أقيموا صيوان العزاء في يافا"، لقد خانته ذاكرة العودة، لم يكن هذا الموعد المتفق عليه لرحيله، لقد تعهد على نفسه أنه سيرجع ليتعهد مواسم الزيتون ويسقي كرمته بماء عينيه، ذاك الذي ما جف سبعين عاماً ولكنه إله الموت قرر أن يأتي مبكراً، لا أرى إلا بياضاً، شعاعاً من بعيد، لا أرى إلا بياضاً شاحباً، أنه الشيب الذي يشد رأس النسوة اللاتي حشرن في المقاعد الضيقة في إحدى الحافلات الراحلة من الشمال، إلى حيث ما لم يعرفن، ولن يعرفن، وأني أرى قوادة يضعون الملح فوق جروح المسلوبين بدلاً من وضعها في أطباقهم، ما كان يخيفني دائماً أنني كنت أرى نفسي لا أملك بندقية..