شعار قسم مدونات

رحلتي مع أعداء الفلسفة

مدونات - يتعجب يقرأ

حين كنت في صيف تلك السنة التي خضت فيها غمار الباكالوريا الموريتانية كانت هواجس الرسوب والنجاح تسيطر على أفكاري طوال الوقت وكان المستقبل الجامعي هو ما أضع نصب عيني وهو ما يثلج صدري ويخفف من وطأة آلامي السيكولوجية وتوجسي خيفة من الرسوب، ولما مرت تلك السنة الميمونة طامسة بأقدامها تك الهواجس والتوجسات ونجحت في الباكالوريا دورتها الأولى، كانت الخيارات أمامي في الجامعة مفتوحة على مصراعيها لكن بوصلة الاختيار لدي كانت مشتتة مضطربة بفعل آراء الزملاء والأساتذة لكنني استطعت بعد صراع مرير بين الضمير الشخصي والضمير الجمعي، القفز على تلك العقد وأختار تخصصي الذي طالما حلمت به من بين التخصصات والذي طالما أوعز إلي به أستاذي وحذرني منه الزملاء والمحيط الاجتماعي إنه الفلسفة..

جئت لجامعة نواكشوط ولكن كانت أكبر مفاجأة اصطدمت بها أنني رأيت معظم الطلاب يحذرون من هذا التخصص ويجدِّفون على أصحابه ويحذرونني من مغبة اختياره وكنت محتارا آنذاك من هذا السلوك الذي يتنافى مع العلم ويتناقض وحرية التعبير والاختيار هذا فضلا عن اعتراض المحيط الأسري على اختياري، لكنني لم أكن أعبأ بكل ذلك لأنني لم أكن أجد من المبررات لهذا السلوك عندهم غير الترديد لأفكار مسبقة عن الفلسفة والفلاسفة، وأغرب ما لقيت في رحلتي مع أعداء الفلسفة يوم كنت جالسا في مكتبة الجامعة أطالع كتاب مدخل إلى الميتافيزيقا للدكتور إمام عبد الفتاح إمام وكنت مستغرقا في تفاصيله فمر بي بعض الطلاب فأبصروا عنوان الكتاب عن كثب فشرعوا يتهامسون ضدي من حيث أسمع همسهم ويغمزون بي وأدركت مما يقولون: قولهم يا له من مغامر ليس له من المغامرة إلا التعب وكيف لا والفلسفة لا تقود صاحبها إلا إلى الكفر والزندقة بشهادة الفلاسفة أنفسهم في إشارة منهم إلى الغزالي وابن تيمية.

 

الفلسفة تساعد الإنسان على ممارسة التفكير بشكل صحيح وتجعله أكثر قدرة على فهم الأمور وتأويل الواقع والوقائع بشكل صحيح بعيدا عن التطرف والنظرات أحادية البعد للأشياء

ولم تنته قصة الأعداء على ذلك فقد استيقظت ذات صباح على أهبة الاستعداد لإجراء بحث فلسفي كعادتي فخرجت إلى إحدى المكتبات العريقة فلما تقدمت إلى أمين المكتبة وطلبت منه إعارة كتاب بعنوان كانط والفلسفة النقدية فوجئت حين حدجني بنظرة شزراء تحمل كل معاني الحيرة والإدانة وقال لي بئس الفيلسوف كانط وأضرابه ولا أعطيك الكتاب حتى تردد العبارة نفسها.

 

ولأن كان هذان نموذجان من الذين يزدرون بالفلسفة فإن ثمة أعداء كثر يناصبونها العداء وربما لم يفهموا بعد أهدافها الأساسية والأدوار المنوطة بها داخل المجتمع، فما السر الكامن وراء العداء المتجذر للفلسفة لدى الكثيرين في عالمنا العربي اليوم؟ هل صارت الفلسفة فاقدة لكل دور في حياتنا المعاصرة أم أن ممارسة التفكير الفلسفي أضحت إثما أو شيئا يخجل الإنسان المعاصر من ممارسته كما يقول إمام عبد الفتاح إمام.

 

إن رفض الكثيرين للفلسفة بالنسبة لي عائد إلى الجهل بطبيعتها وعن الأفكار المسبقة التي تحاك ضدها ومن ذلك نعت الفلسفة بكونها مخالفة للدين واعتقاد البعض أن الفلسفة مذهب وعلى أساس ذلك يقولون: قال الفلاسفة وكأنهم على رأي واحد لا اختلاف بينهم، وهذا التعميم لا يخدم العقل ولا يمت بصلة للدين، أو ادعاء أن الفلسفة موضوع جامد لا يتغير ولا يراوح مكانه يبحث في أمور خيالية من خلال في شطحات موغلة في التجريد قليل من يفهم فحواها.

  
إن الفلسفة منهج قبل أن تكونا موضوعا، منهج هدفه إنارة العقل البشري وترويضه وشحذه ليكون قادرا على التعاطي بفاعلية مع القضايا الفكرية الكبرى التي تشغل الإنسان في حياته بكل تجلياتها، ويكسبه مناعة فكرية تخوله مجابهة الفيروسات الفكرية التي تهاجم الإنسان من وقت لآخر. ولا تقتصر مهمة الفلسفة على هذه الدور وإنما تضطلع بأدوار شتى على المستوى الاجتماعي والسياسي والديني.

 

إن الفلسفة تساعد الإنسان على ممارسة التفكير بشكل صحيح وتجعله أكثر قدرة على فهم الأمور وتأويل الواقع والوقائع بشكل صحيح بعيدا عن التطرف والنظرات أحادية البعد للأشياء. إنها تمد الإنسان بآليات النقد وتمنحه القدرة على إعادة النظر في المكتسبات السابقة وغربلتها من الأخطاء، فهي لا تنفك تزودنا بملكة تقبل الرأي الأخر واحترامه.

 

بيد أن الفلسفة أضحت اليوم تعيش مأزقا حقيقا في عالمنا العربي سببه تحول ممارسة التفلسف إلى مهنة رخيصة، معنى ذلك أن البحث النظري الذي هو قاعدة الفلسفة لم يعد له قيمة يضاف إلى ذلك جدب الخيال والكسل الذهني لدى الكثيرين من المتعاطين مع الفلسفة أولئك الذين يكتفون بالأكلة الفكرية الجاهزة السريعة كما يقول الفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي، لكن ذلك لا يعني أن الفلسفة شيء مثالي مفارق لا تدركه إلا عقول صفوة الصفوة من المثقفين وإنما الأصل في الفلسفة أنها جاءت بالأساس للنهوض بالمجتمعات والخروج بها من مأزق التحجر والركود الفكريين، وهذا مصداق ما ذهب إليه المفكر الموريتاني الدكتور السيد ولد أباه حين قال: الحاجة اليوم قوية للفلسفة لدفع المشروع التأويلي المتعطل وتوطيد الأفق الإنساني الكوني في الدين، خروجا من حالة الفتنة والتشدد التي تقود إلى انتحار جماعي للأمة.