الأحزاب الأردنية في مملكة نصف ديمقراطية

مدونات - برلمان عمان

لا يمكن وصف المملكة الأردنية بأنها دولة ديمقراطية، كما أننا لا يمكن وصفها بالمملكة الشمولية، حاولت المملكة التحول نحو الملكية الدستورية منذ خمسينيات القرن الماضي إلا أنها وقفت في وسط الطريق ولم تتقدم بعد ذلك فأصبحت مملكة نصف ديمقراطية الحكم ولكنها بقيت في النصف الآخر شمولية. مملكة لديها برلمان منتخب من الشعب وفقا لقانون يقدم الفرز المناطقي الجهوي على السياسي البرامجي ولديها أحزاب ترخص وتمارس عملها تحت عين الشمس ولديها اتحادات طلابية ونقابات فاعلة بالمقابل يتم تعيين رئيس الوزراء ورئيس المجلس القضائي ورئيس المحكمة الدستورية وقيادات جميع المؤسسات الأمنية من رأس النظام دون وجد أي تتسيب من مجلس النواب أو مجلس الوزراء هذه الحالة من الخلط ما بين الملكية الدستورية والملكية الشمولية احدث نوع من اللبس أمام الأحزاب السياسية وجعلها غير قادرة على إدارة تلك المرحلة بشكل جيد مما جعلها ومنعدمة الأثر الميداني.

 

واقع الأحزاب الأردنية

يبلغ عدد الأحزاب الأردنية خمسين حزبا أردنيا مرخصا مختلفة التوجهات والمشارب ما بين توجهات يسارية وتوجهات إسلامية وتوجهات وطنية جميع هذه الأحزاب استطاعت استقطاب حوالي 35 ألف مواطن أردني وهي نسبة تشكل أقل من نصف بالمائة من عدد السكان في الأردن. أظهر استطلاع للرأي أن 89 بالمئة من الشباب الأردني لم يلتحق بالأحزاب السياسية فيما اظهر استطلاع رأي آخر بان ثقة الشعب الأردني بالأحزاب لم تتجاوز 9 بالمئة فيما ترتفع هذه الثقة في مؤسسات الدولة الأخرى وخصوصا الجيش.

 

معظم الأحزاب الأردني هي أحزاب مغمورة شعبيا لا يعرف عنها الشارع الأردني الحد الأدنى من المعلومات ويستثنى من ذلك حزب جبهة العمل الإسلامي التابع لجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب البعث السوري والعراقي قبل سقوط نظام صدام حسين وأزمة سوريا، فيما بدأت تظهر حديثا على السطح أحزاب خرجت من عباءة الإخوان مثل حزب المؤتمر الوطني زمزم وحزب الشراكة والإنقاذ.

 

قام حزب التيار الوطني الأردني بقيادة رئيس مجلس النواب السابق عبد الهادي المجالي بالعمل على حل حزبه ناعيا الحياة السياسية في الأردن ومتهم الحكومة بخنق الحياة الحزبية وقتلها قبل أن يتم العودة عن هذا القرار، هذا الحدث يؤشر على أمر خطير في عقلية النخب السياسية والتي ترى أن الأحزاب يمكن أن تمارس دورها في تداول السلطة في الدول التي لا تتمتع بالديمقراطية الكاملة وإنها يمكن من خلال العمل الحزبي في هذه البيئة أن تصل للسلطة في حين أن ذلك وهم غير واقعي.

 

لماذا الأحزاب السياسية في الأردن ضعيفة

هناك عدة أسباب تضعف الحياة السياسية في الأردن رغم وجود قانون أحزاب ودعم حكومي مالي للأحزاب ويمكن إجمال الأسباب بالتالي:

وصول النظام في الأردن إلى قناعة أنه لا مجال لتقدم الحياة السياسية إلا من خلال بوابة الأحزاب وإن جميع الكيانات التي يتم صناعتها وتوظيفها بديلا عن الأحزاب لن تتمكن من ملء الفراغ

المجتمع الأردني مجتمع قبلي إذ استطاعت الدولة الأردنية من خلال تفصيل قوانين الانتخاب البرلمانية من تحويل طبيعة القبائل الأردنية من كيانات اجتماعية إلى كيانات تمارس العمل السياسي الموسمي وفقا لرؤية الحرس القديم ونظرته لإدارة الدولة وتم تقديم وتعزيز هذا الفرز من خلال تحويل النواب للقبائل من نواب رقابة وتشريع إلى نواب خدمات، وفي المناطق التي يتمركز فيها المواطنين من أصول فلسطينية استطاعت الدولة أن تخلق واجهات جهوية موالية لها في المخيمات لتمارس العمل السياسي الموسمي بديلا عن الأحزاب في تلك التجمعات.

 
العقاب الذي تمارسه الأجهزة الأمنية على كل منتمي للعمل الحزبي المعارض إذ يتم تصوير كل حزبي معارض على انه خصم للدولة لا معارض للحكومة ويتم فرض طوق شامل من المضايقات الرسمية على الحزبي ومعظم ذويه من الدرجة الثانية والثالثة تتمثل تلك المضايقات في الحرمان من الوظائف الرسمية له ولذويه ومضايقات السفر الخ وذلك لتكوين بيئة اجتماعية رافضة للعمل الحزبي ومعادية له وقد حققت الأجهزة الأمنية نجاح كبير في ذلك.

 
عدم وجود قانون انتخاب يسمح باعتبار العمل السياسي هو عمل للأحزاب ونخبها إذ أن جميع قوانين الانتخابية في الأردن من تاريخ عودة الحياة الديمقراطية وإلغاء الأحكام العرفية في عام 1989 قوانين لا تسمح بصعود الأحزاب ولا تعطيها أفضلية في العمل السياسي وإنما فصلت تلك القوانين لتكون الكلمة العليا في نتائج الانتخابات من نصيب القبائل والواجهات الجهوية التي يتم صناعتها في مناطق التجمعات للمواطنين من أصول فلسطينية.

 
عدم وجود الحياة السياسية الراشدة في الأردن والتي يمكن من خلالها أن تنمو وتترعرع الحياة الحزبية، إذ إن وجود مملكة نصف شمولية ستكون عاجزة عن إنشاء حياة حزبية متطورة على الإطلاق. الأهم من كل ذلك هو عدم وضوح الرؤيا لدى النخب السياسية والتي لا ترى في العمل الحزبي إلا وسيلة للوصول للسلطة متناسين أن العمل الحزبي يكون له دور أكثر أهمية من المنافسة على السلطة والمقاعد النيابية في الدول نصف الشمولية أو النصف الديمقراطية، المهمة الأهم تتمثل في مقارعة ما تبقى من بؤر استبداد ومعاداة للديمقراطية والحرية السياسية، فالتحولات السياسية نحو الديمقراطية كاملة الدسم لا تكون إلا من خلال الضغط المنظم على قوى الشد العكسي التي تقف في وجه الديمقراطية والحرية

  undefined


الخروج من المأزق
كيف يمكن أن تخرج الحياة الحزبية من الشرنقة التي تعيش وتسترد عافيتها ووجودها وتساهم في بناء نظام سياسي راشد؟ لا شك بأن معظم خيوط اللعبة بيد الحكومة والنظام إن أرادت التحول نحو ذلك والذي يمكن أن يكون بالتالي:

  

مزيد من التأخر في إنضاج الحياة السياسية يعني مزيد من إضعاف الحياة الحزبية وهذا يعني مزيد من الفشل السياسي الذي ستكون أهم أعراضه انهيار في جدران الدولة الأردنية وبنيتها

– ضرورة اجتراح قوانين انتخابية عصرية تسمح بتقدم الأحزاب والنخب السياسية في البرلمان لتكون البوابة لكل طامح للعمل السياسي، كف يد الأجهزة الأمنية عن ممارسة التضييق على الحياة الحزبية وممارسة العقاب الجماعي الذي يحصل بحق الحزبيين وذويهم.
– توعية القبائل بضرورة إعادتها إلى ممارسة دورها الاجتماعي وإبعادها عن ممارسة أي دور سياسي موسمي.

 

– إدراك النخب لأهمية الحياة الحزبية في تلك المرحلة من عمر الأردن السياسي لممارسة النضال السياسي المنظم من اجل التحول إلى الديمقراطية الكاملة وبذلك تتحول كثير من النخب التي تناضل بشكل فردي وجهود مبعثرة ويتم عادة الاستفراد بها رسميا من خلال سياسة العصا والجزرة إلى نخب حزبية تعمل بشكل منظم قادر على إحداث الأثر السياسي المنشود.

والأهم من كل ذلك وصول النظام في الأردن إلى قناعة أنه لا مجال لتقدم الحياة السياسية إلا من خلال بوابة الأحزاب وإن جميع الكيانات التي يتم صناعتها وتوظيفها بديلا عن الأحزاب لن تتمكن من ملء الفراغ، وإن مزيد من التأخر في إنضاج الحياة السياسية يعني مزيد من إضعاف الحياة الحزبية وهذا يعني مزيد من الفشل السياسي الذي ستكون أهم أعراضه انهيار في جدران الدولة الأردنية وبنيتها وتعريضها لعدم التقدم والتراجع والضعف في كل المجالات وأهمها الضغط على عصب الاقتصاد الملتهب.

 

مما لا شك فيه أن وجود قرار رسمي بالتحول نحو الديمقراطية والحياة السياسية الراشدة يمكن أن يحقق نقلات نوعية خلال فترات وجيزة وإن تعذر مثل ذلك فان إدراك النخب لدورها في مراحل التحولات السياسية سيختصر كثير من الزمن ويعجل ويسرع في حالة التحولات المنشودة إلا إنه في الحالة الأردنية فلا النخب تعي ما تريد ولا وجود إرادة حقيقية من الجهات الرسمية بالتحول السياسي نحو الديمقراطية مما يعني أن شتاء ديمقراطي قارص وقارس وليل طويل سوف يبقى يلف الأردن السياسي.