عدوى التقليد في الإنسان سريعة وقواه للجهل سامعة مطيعة

blogs - رجل تعيس

إن للطباع الأصلية في النفس دخلًّا كبيرًّا في تجزئة الناس من الحدّة والهدوء والعجلة والأناة والكدر والنقاء إلا أن هناك ارتباط مؤكد بين ثقة الإنسان بنفسه وبين أناته مع الأخرين وتجاوزه عن خطئهم. وهذا سبيل من سُّبل التفرقة بين الصح والخطأ وبالتالي سياسة تعامل المرء مع جوانب حياته المليئة بالمفاجآت. فإذا جهل الإنسان إحساسه بعظمة نفسه ورسوخ قدمه وحصانة عرضه من المغريات وتبع بذلك تفاهة خصومه في الحياة كل ذلك جعله في حالة إما بين الشك والظن وإن الظن لا يُّغني من الحق شيء وإما أن يكون مقلدًّا أو يكون جاهلًّا.

  
إن الجهل مخالفة للواقع والتقليد حقيقة لكن بدون دليل ليس بإمكانك أن تقبلها ولا أن تردها ولا أن تعلمَّها. وظاهر أن المرء مع تفاقم جهله لنفسه يغيب عنه وعيه ويتسلم الشيطان زمامه فكما تعصف الاضطرابات بمشاعرة تُّطيش لُّبه. فلا يعي ما يوجه إليه من نصح ولو كان من كلام اللّه وحكمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم. ليصبح بذلك في حالة من التغافل والبهتان الداخلي دائم التساؤل مبعثر الأفكار. كيف للجهل أن يفعل بالمرء هذا؟ 

 
قد يفتك الجهل بنفسية المرء فتكًّا فهو إن أردنا المطابقة به كالفيروس عندما يغزو لُّب الكيان ويتكاثر فيه يتسبب في انحلال الخلايا الرئيسية للاستيعاب والتدبر منتجا بذلك حالة ساحقة من الجهل وعدوى التقليد أو هما معًّا وهكذا يصبح الكائن منا فريسة سهلة ولقمة سائغة. إنسان مُنهار القوى النفسية لا يجيد الإبداع وعديم الثقة فارغ المضمون الشخصي كثير الشكوى محسوس الضعف والاكتئاب الدائم. إنسان أصبح الجهل يسري في نفسه كما تسري الكهرباء في البدن قد تُّنشىء رعـدة شاملة واضطرابًّا مذهلًّا وقد يشتد التيار فيصعق صاحبه ويقضي عليه.

 

ما تمتلئ به أذهان الناس في كل مكان لم يخضع في الغالب لعمليات التحقق بل هو خليط من الرواسب التي تراكمت تلقائياً بدون أية رقابة من العقل الناقد

يتجلى مفهوم العلم بأنه إدراك للشيء لما هو عليه أما مفهوم الجهل فهو بخلاف ذلك أي أنة إدراك للشيء بخلاف ما هو عليه والواقع أن جهل المرء لخزينة ذاته يجب أن يعالج منذ الطفولة حتى تنشأ الناشئة وهي تنظر إلى نفسها نظرة الإنسان الواعي القادر على العطاء والإبداع ليتجنب السقوط في دوامة التقليد وإدمان تقليد وترسيخ ما يفعله الغير فالتقليد لم يعد ظاهرة محصورة على جزئية بعينها بل شملت شتى مناحي الحياة من مأكل ومشرب وملبس وبطبيعة الحال لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى وصف العادات والتقاليد الوروثة بالرجعية والضلالية لاعتبارها موضة قديمة عفا عنها الزمن فأصبح واقعنا كتٌّبع مقلدين بطريقة عمياء لما يفعله الغرب كله نتيجة جهلنا لمقومات ذواتنا وعظمتها وقدرتها على العطاء والإبداع.

 

إنه لمن المحزن أن تصل سمعة المرء إلى هذا الحد من الدرك حتى يضطر إلى أن يصبح إمعَة ومقلد كي يقنع الآخرين أنه عضو نافع في أمته لا يصدر منه أو عنه إلا الخير ولا يتوقع منه إلا الفضل بالطبع تلك طبيعة الإنسان الجاهل لنفسه لا يدرك أن السعي في هذه الحياة وقلبه مفعم بالثقة من الخطوات الأساسية للتقدم في الحياة والتماشي معها في تيارها الصحيح. إن الغزالي حين رأى اختلاف الأمم ورأى أن كل فئة تدعي أنها تمتلك الحقيقة كاملة أدرك أن هذا التباين الصارخ رغم توفر العقول لدى الجميع ناجم عن خلل جذري في وسائل تكوين المعرفة فشك في ادعاءات كل الأطراف.

  

ما تمتلئ به أذهان الناس في كل مكان لم يخضع في الغالب لعمليات التحقق بل هو خليط من الرواسب التي تراكمت تلقائياً بدون أية رقابة من العقل الناقد ومع سهولة وتلقائية تكوين هذه الرواسب فإنها تصبح بالتنشئة ومرور الزمن شديدة الصلابة والتماسك وبها تتكون البنية الذهنية للفرد والمجتمع بما تحويه من نظام معرفي ومنظومة قيمية وأحاسيس وجدانية.. ولأن الإنسان كائن مقلد فإنه في العادة يكتسب بالتقليد ثبات الاتجاه وأمان النفس سواء كان على الحق أو على الباطل أو على خليط منهما.

  

ولكن في الحالات النادرة التي يستيقظ فيها العقل الناقد ويكتشف الفرد طبيعة البرمجة التي صيغ بها عقله ووجدانه فإن بنية التقليد تهتز وتتحطم فيتأجج قلق الإنسان ويصبح كالرضيع الذي ماتت أمه وانقطع الحنان عنه لا يزول التوتر عنه إلا إذا توصل بنفسه إلى أساس جديد للطمأنينة المفقودة واليقين المهتز إن الفرد يكون في الأساس مرتاحاً بالتلقائية بما ورثه تقليداً فإذا تزلزل هذا الأساس لأي سبب صائب أو خاطئ فإن التلقائية تنفرط ويفقد الإنسان الراحة ويمضه القلق حتى يتوصل بنفسه إلى اليقين عن طريق البحث الذاتي فيعود إليه الأمان ويتمتع بالسلام الداخلي..
 
فمعالم سلوك الإنسان الواثق بنفسه المؤمن بقدرته تتركز على تفعيل ما أوجد فيه اللّه تعالى من مقدرة ليتألق في جبينه الشرف وتلتمس سيرته المروءة فيُقبل عليه من يعرفونه ومن ينكرونه وهم واثقون من كرم خلاله.