ماذا لو أبصرت ثلاثة أيام؟!

blogs العيون

أن تحمل الأشياء رتابة الاعتياد من حولنا هو ما يودي بنا إلى جحيم الملل والرتابة، الذي يجعلنا ننسى تماما معنى الجمال الكامن في التفاصيل وفي كل النعم ويسلط الضوء على كل ما هو بشع و سيء من حولنا فنصبح نتشاكى ونمسي نتباكى على كم مصائبنا دون أن نناظر كم النعم التي تفوقها بأضعاف، ودون أن نستمتع بها إلى أقصى الدرجات وكأننا سنفقدها غدا. كم من نعمة نملكها نحن فاقديها؛ نرى ولا نبصر، نسمع ولا نستمع، نأكل ولا نتذوق، تمر الروائح على أنوفنا مرور الكرام، نمشي كالآت دون أن نعي قيمة هذه النعمة. إننا دائما نفكر بما لا نملك ونسعى له أحيانا أن كان إلى ذلك سبيلا، ناسين ما نملك متغافلين عن كم النعم والجمال الكامن فيه، هذا ما لفتت نظرية إليه هيلين كيلر في كتابها أو مقالاتها إن صح التعبير؛ ماذا لو أبصرت ثلاثة أيام؟

قالت في الكتاب بل صفعتنا في الكتاب وهي تقول أنها تدرك أننا نحن المبصرون لا نعرف قيمة هذه النعمة ولا نستغلها كما يجب، لا ننظر إلى التفاصيل ولا نتشرب الجمال فيها تمر الوجوه والأحداث والألوان بشكل عابر أمامنا دون أن نتدارك ما فيها من رونق دون أن تتعدى العقل الذي وعى الصورة إلى القلب الذي يستشعرها ويعطيها حقها. نحن من كثرة الاعتياد لا نعرف مثلا لون عيون أصدقائنا إن لم تكن مميزة حاول وانت تقرأ أن تجيب على هذا السؤال ما لون عيني صديقك؟ آخر شخص جالسته ما لون عينيه؟ حتى الحبيب أن اعتدنا عليه لا نعود ندرك حركاته الصغيرة وسكناته وأكبر دليل أن شعراء العرب الذين ظفروا بمحبوباتهم ما سمعنا لهن خبر أما من فقدوهن فقد خلدن بشعرهم وإلا لم سمعنا بليلى لو ظفر بها قيس بن الملوح ولا سمعنا بلبنى لو ظفر بها قيس بن ذريع.

تذكر دائما أنك تحتاج إلى أرشيف تعود إليه كلما دعت الحاجة، وما أكثر ما تدعو، أسعى لبنائه قبل أن تفوتك التفاصيل. وكن شاكرا دوما فقد فقال في محكم كتابه: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)

تقول هيلين في كتابها أنها سألت أزواج ممن تعرفهم عن لون عيون زوجاتهم فارتبكوا للسؤال إذ لم يكن أي منهم يملك جوابا؛ فقد اعتادوا على رؤيتهن باستمرار حتى صار أمرا عاديا رتيبا، في حين أنه يجب أن يقعوا في حب هذه العيون كل يوم، أن يدركوا اللون الذي أسرهم على الأقل.

هيلين كيلر ابتليت بفقد حاستي السمع والبصر منذ نعومة أظافرها رغم ذلك تحدت الكون وأثبتت أن الإنسان يمكن أن يبدع وأن يصل إلى ما يربو إليه رغم كل الظروف، ليس هذا موضوعنا المهم في كتابها تحدثت عن نعمة البصر تحديدا عن ماذا سيحدث إن أتيح لها أن تبصر لثلاثة أيام قبل أن تعود إلى ظلمتها، ستدهش بالتفاصيل التي ترويها عن كل ما ستراه خلال الثلاثة أيام التي تراها انت ذاتك كل يوم دون أن تحفل بها ولا أن تدرك قيمتها كالشروق مثلا أو الغروب، وجه من تحب وحتى من تكره أحيانا.

ذكرتني وهي تصف ما تقوم به من استغلال لهذه الأيام الثلاثة قبل أن تعود لظلمتها ما قاله مصطفى محمود "ساعات الإنسان يعيش على مخزون الصور إلي شافها بعينوا ويفتح أرشيف الذكريات عشان يعيد سماع الأصوات الحلوة". ثم اسأل نفسي هل جربنا أن نبني أرشيف خاص بنا لكي يكون أنيس ظلمتنا في حال لا قدر ألله فقد أحدنا خاصة السمع أو البصر، لا أعتقد نحن مركنون إلى هذه النعمة حتى نسينا الشكر كما نسينا أن فقدها يمكنك أن يحدث في أي وقت.

لا شيء في هذا الكون يضاهي نعمة البصر، هذه الحاسة التي تعادل حواسك كافة وإذا أدركت الجمال بها تجاوزتها إلى أبعد من ذلك؛ حواس لم تخضها من قبل، بعينيك تستطيع أن ترى جمال الكلمات والحديث المخبأ بالقلوب أن تدرك أي لحن تعزف السماء وأي تركيبة للألوان تحمل دهشة التناسق أو حتى النفور أحيانا.

إن كانت الحياة رحيمة بنا اليوم لا يمنعها ذلك من أن تجور علينا غدا، لا أعني أن تفقد بصرك لا قدر الله لكن أي شيء في الكون يضمن لك أن ترى وجه أمك بهذه الطلاقة غدا؟ أو أن يخلو لك وجه حبيب تتأمله قدر ما تشاء؟ أن تبقى ذات الغيمة مكانها تحمل ذات الخطوط ليتاح لك تأملها؟ أن يكون كبير الحارة على كرسيه تتأمل خطوط الزمان وتقرأ قصص الماضي فيه؟ لا شيء. تذكر دائما أنك تحتاج إلى أرشيف تعود إليه كلما دعت الحاجة، وما أكثر ما تدعو، أسعى لبنائه قبل أن تفوتك التفاصيل. وكن شاكرا دوما فقد فقال في محكم كتابه: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).