فيض من الحياة المنسية

blogs تأمل

كما جرت العادة نمت ليلة البارحة متأخرا، فالأرق يلتزم بوفائه تجاهي ويأبى أن يفارق محاجر عيناي، ولعل طيف الشمس المتسرب مع نسيم الهواء الرطب المنعش قد أثرت في ذهني فما أن غفوت حتى استيقظت، لكن في حلمي! استيقظت في الحلم، هممت لأغسل وجهي وأبدأ يومي وأعاود تكرار البارحة، فكما الأرق كذلك الروتين الرتيب يلازمني. لكن ما إن نظرت في المرآة حتى انصدمت من منظر عيني!، لقد توسعتا كثير وأصبحتا أكبر من ذي قبل، دون أن أبالغ اصبحت بضعف حجمها القديم، انكببت بالماء البارد على وجهي بغية أن استفيق فعقلي لم يستوعب كل هذا التغيير!، لكن لم يتغير شيء، الماء يزداد برودة وأنا أزداد انذهالا!

بعدها جلست أتلمسهما، كانتا بالفعل قد تغيرتا، ولسبب ما غريب لم أفكر أو أسأل نفسي كيف حدث ذلك بل؛ سألت نفسي لماذا حدث ذلك!؟ مر وقت طويل وأنا في مكاني دون حراك حتى أني أثقلت على نفسي، فأنا معتاد على الحراك أو على النوم!، على الأقل مرت أربع ساعات عاودت النظر إلى نفسي لم يتغير شيء، تنهدت وزفرت زفرة حادة وقررت أن لا أبالي!، وقلت لا أحد أصلا ينظر في وجهك كل يوم حتى يلاحظ الفرق، وخرجت من البيت.

وعندما اقترب الغروب توجهت نحو البحيرة، هممت أجمع الاخشاب الجافه بشكل غريزي ينبئ بأن سهرتي اليوم ستكون عند البحيرة، وعندما بدأت الشمس سفرها شقها الظلام الذي يقابلها في الجهة الثانية، ذهلت من هذا المنظر، كطفل ساذج يبصر الدنيا لأول مرة بعد طول سنين من العمى.

هذه التفاصيل مرت على ناظري كل يوم لكن كنت بحاجه إلى أن يتسع نظري لكي أدرك، تبسمت ومن بعدها استيقظت! نظرت إلى نفسي بالمرآة كانت عياني بحجمهما الطبيعي، تبسمت وقلت لا مشكلة

كانت أشعة الشمس مودعة، وقرص الشمس ينغمس في البعد ومن فوقه الظلام ينزل، كان المنظر أشبه بعين فتاة قد تكحلت، مشهد وداع ولقاء يبعث في النفس شعور العظمة، تستمر الشمس بالنزول، وأشعتها تخترق الظلام الهابط بهدوء، من شدة انبهاري من جمال المشهد تمنيت لو أن الغروب يحدث صوتا وجلبة كي أنتبه له في كل يوم، جلست قرب البركة وتحسرت وقلت كم من مغيب ملهم هكذا أضعت وأنت تنظر إلى الأرض؟

أشعلت النار ومن خلال نورها أبصرت البحيرة، فوجدت أن السماء قد انعكست عليها في أبهى الصور، واختلطت ظلمة القاع بظلمة السماء، فخلقت خلفية مظلمة متوشحة بلون أسود تتلاشى كل الألوان عنده من شدة هيبته، وعلى هذه الخلفية المظلمة يتألق القمر مشعا مرسلا نوره إلينا لكنا ما عدنا نكترث بنوره منذ أن عرفنا الكهرباء فتنكرنا له ولأعطياته السخية، تحدوه نجوم تبرق كسهام نور مصوبة نحو هذا الكوكب الجاحد لكل هذا الجمال الذي يعلوه، والسحاب الخفيف يمر مسرعا وراقصا، مثل أطفال يتراكضون والابتسامة تعلو وجوههم. ترتسم هذه اللوحة في عيني في مشهد ملهم، يلهب نفس الفنان ومن يعشق الجمال وأي شخص ذو ذائقه، لوحة لا مثيل لها ولا مجال لرسمها.

حينها امتلأ قلبي بالسعادة وغردت روحي، تراقصت على ضفاف البحيرة، شعرت أني كنت غائبا عن وطن حبيب وعدة له أتلمس كل ما فيه وأمحص النظر في أدق تفاصليه، هذا الجمال الذي طفحت روحي به جعلني أشعر بانتماء كبير تجاه هذه اللوحات التي شاهدت وأشاهد، أحببت الأرض والسماء. وأدركت أن السعادة شيء رهيف وأنها بحاجه إلى بصيرة وإلى صفاء في القلب، فهي تمر كل يوم عابرة إلا أننا لا نلقي لها بالا فهي رشيقة كراقصة بالية تحتاجي إلى رجل بأذن حساسة كي يسمع خطوتها من بعيد، قبل أن تتجلى لعينيه، وسماع خطواتها الرقيقة هو الشرط الوحيد لرؤية رقصها.

استلقيت وتذكرت عيناي وأدركت أن الأمر كان لغاية، فهذه المشاهد وهذه التفاصيل مرت على ناظري كل يوم لكن كنت بحاجه إلى أن يتسع نظري لكي أدرك، تبسمت ومن بعدها استيقظت! نظرت إلى نفسي بالمرآة كانت عياني بحجمهما الطبيعي، تبسمت وقلت لا مشكلة!، لأنني تعلمت في ليلة البارحة كيف أبصر!