حق الاختلاف وواجب وحدة الصف عند الغنوشي

BLOGS الغنوشي

ما كاد نور الصحوة ينبثق من طيات ليالي اليأس الدامسة، معلنا عن عودة الأمل في النهضة المنشودة وإعادة إحياء قيم الإسلام المخذولة، فالتفت الجماهير حول القبس الوليد تدثره بصدورها، حتى فجعت بعلّته السليلة الموروثة، وبدأت تشهد بأم الأعين الجماعة تتفرق إلى جماعات والفرقة تغدو شيعا. فهذا فتحي يكن ينشق في لبنان وذاك الشيخ الترابي فحزب المؤتمر في السودان، وقبلهم محمد عطية والسكري والسندي ثم حزب الوسط يخرجون في مصر عن الإخوان.

إنها آفة الخصومة الداخلية وما تخلفه من تمزق وتآكل وعطالة، مما جعلها أحد الأسباب الرئيسية في تأخر نجاح المشروع الحضاري. ولعل حركة النهضة التونسية، بتجربتها الريادية، تعد الأكثر تماسكا والأقدر على إعادة لملمة الشمل بين نظيراتها، خاصة بعد عودة الشيخ مورو وبعض رموز اليسار الإسلامي إلى رحابها. وربما يعود ذلك إلى كون زعيمها التاريخي، الشيخ راشد الغنوشي، من القلائل الذين أعادوا تقييم التراث السياسي الإسلامي بجرأة، ليقرأه بعين الناقد الباحث عن أصول الداء ومواطن الخلل فيه. فأولى الظاهرة حقها من التحليل والتمحيص، وكتب فيها من خلف قضبان سجن برج الرومي، ورقات رائدة بعنوان "حق الاختلاف وواجب وحدة الصف". فهل أن الاختلاف فعلا، تهديد لوحدة الصفّ؟ أم أن وحدة الصف رهينة، بمدى سعة ما توفره هذه الحركات والأنظمة داخلها للاختلاف من أطر؟ 

انطلق الشيخ راشد من كون بروز خلل التمزق والانشقاق والاضطراب، في أوقات مختلفة لدى جماعات كثيرة وفي أقطار متباينة، ما هو إلّا قطعٌ بأنّ للداء أسبابه العميقة والهيكلية وجذوره الضاربة في التاريخ. إذ كان للإجهاض المبكّر لتجربة الحكم الشّوري، تحت تأثير مواريث الإمبراطوريات المجاورة وتقاليد سلطانها، والعصبية القبلية الدفينة التي عادت لتطغى (قريش دون الأوس والخزرج، بنو أمية أو هاشم دون قريش، عباسيون وعلويون…) عظيم الأثر على جميع مستويات الحياة الإسلامية (السياسية، الفقهية، التربوية، الاقتصادية، العائلية…) حتى أصبح الاستبداد طابعها المميز.

لا عجب في أن تولد الحركة الإسلامية المعاصرة، وهي إلى حدّ كبير امتداد لذاك المجتمع، مريضة، فيقصر باعها عن إدارة الحوار، خاصة وأنه بتقدم الزمان تزداد حاجيات الناس وتتعقد مشاكلهم فتتنوع الآراء

فقد أبعدت الجماهير عن السلطة واقتصر دورها على أداء البيعات الشكلية طوعا أو قهرا، ولم تطرح قضية مدى شرعية توريث الحكم حتى من أكبر الفقهاء، وأما القطاع العام فأضحى ألعوبة في أيادي أمراء الجور وإقطاعا لحواشيهم، وحتى داخل البيوت، أفنيت شخصية الزوجة والأطفال وأضحت الأسرة أفضل مؤسسة في مجتمع الاستبداد تمثيلا وإنتاجا له. فتكونت بذلك الثقافة الإسلامية في ظل الحكم الاستبدادي، حيث غدا السيف، مصحوبا بكل ضروب الدهاء والتآمر والعنف هو أسلوب الحوار الوحيد، بين السلطة ومعارضيها، وانطلقت المذاهب الكلامية تبرر لأصحابها أفعالهم وآراءهم، وتجتهد في تفسيق مخالفيهم أو تكفيرهم، فعمّ التنافي المتبادل.

كما نشأت في نفس السياق، قضايا لاهوتية لا توصل إلى وفاق، شجعها الاستبداد، حتى تلهي العقل المسلم عن واقعه البائس. فكان ذلك سببا إضافيا في التمزق العقائدي وظهور عشرات الفرق المتصارعة، يزعم كل منها ملكية الحقيقة المطلقة. فاستحال بذلك الحوار وتكونت الذاكرة الشعبية لمجتمع الاستبداد على أساس قاعدة واحدة، خلاصتها؛ أنت نسخة مني أو طوع أمري وإلا فأنت عدوي. وتظافر النفي الفكري والنفي الجسدي، في علاقة تبادلية نفعية، لتجذير التشرذم في البيئة الإسلامية.

ولا عجب في أن تولد الحركة الإسلامية المعاصرة، وهي إلى حدّ كبير امتداد لذاك المجتمع، مريضة، فيقصر باعها عن إدارة الحوار، خاصة وأنه بتقدم الزمان تزداد حاجيات الناس وتتعقد مشاكلهم فتتنوع الآراء زيادة. غير أن بساطة القضايا المطروحة على تلك الحركات في مراحلها التأسيسية الأولى، التي لم تتطلب توفير بدائل واقعية أول الأمر، بالإضافة إلى حضور زعاماتها التاريخية ذات النفوذ المعنوي الجامع، هو ما ساعد في تأجيل الصراعات وحجبها ولكنه لم يعدم مفعولها بل وغطّى على تراكم أسبابها.

ولا أدلّ على ذلك، مما اصطلح على تسميته بأزمة المؤسس أو ما يحدث، ما إن تغيّب القيادات الكبرى أثناء فترات الاضطهاد بين سجين وطريد، فتطفوا الخلافات ويطلّ الانقسام، ويصبح الجسم فريسة لدعايات التشكيك في المناهج الفكرية والخطوط الاستراتيجية من الخصوم السياسيين، وعرضة لاستقطاب أصحاب سحابات التأييد الممزقة من المنافسين. ولم يزد الطين بلة، إلا التهرّب المستمر من مواجهة المشاكل الحقيقية بجدّ، والنزوع إلى المعالجات الجزئية المستعجلة أو الهرولة نحو المصالحات المفتعلة والتهدئات الآنيّة، دون إيفاء الأمور حقّها من الدرس والتمحيص، طلبا للتشخيص الجاد، فالدواء النافع. فلم تطل البنيان الفكري والتربوي والتنظيمي العليل، إلّا إصلاحات جزئية أو سطحية رغم تجذّر الداء العميق فيها.

أضف إلى ذلك ما يستشري بين الإسلاميين من اغتراب عن الواقعية، نتيجة الهيام وراء مثاليات تاريخية، والانبهار المفرط ببطولات الماضي أو ازدهاره. ومن فرط انشدادهم له ورغبتهم في إسقاط نماذجه على الحاضر، كاد التفاعل مع مقتضيات الواقع وأولوياته ينعدم، فساد التقليد على الاجتهاد، واختفى بذلك الفكر تحت سحاب العواطف الوجدانية المتطايرة، وتلاشت معه إمكانية الحوار الجاد، ليحل مكانها جدل التصلّب سمته، لا يبحث عن الحقيقة بقدر سعيه للانتصار على الآخر حتى لو كان على حساب موضوعه ومنطقه.

التصور الإيماني الصحيح ينفسخ حتى تضم جوانحه شتى المواهب والطاقات فلا يقتلها ولا يحجبها، ولكن ينظمها وينسقها ويدفعها في طريق الصلاح

وذاك ما تتسلح به عادة، القوى المحافظة والمستفيدة من استقرار الأوضاع، فتعمل على الإشادة بالماضي وتضخيم أعلامه لا لذاته، إنما لقمع الحاضر وتقزيم كل من ابتغى تجديدا أو سعى له، فتواجه كل فترة جديدة بحملات من التشويه، لإجهاضها بالانصراف عن مناقشتها بجد ومهاجمة صاحبها لرميه بالجهل وسوء القصد أو الجرأة على من سبق من السادة العلماء. فإذا وقع تصنيف الآخرين في قوالب جامدة يستحيل معها الحوار الديموقراطي الحر يسهل الانشقاق، وان ذهبت الطاقات في الدفاع عن الشعارات والأشخاص فستتبع ذلك ،الهرولة الى الحلول السهلة القاتلة، كالطرد أو التجميد أو الافتراء. و تلك نتائج حتمية إذا ما تحولت الآراء إلى شعارات فعقائد هي في النفوس الصورة الوحيدة للحق.

ومثل أولئك الذين تقودهم خلافاتهم إلى أن يصبحوا شيعا متنابذة، هم المطرودون من رحمة الله، أما الاختلاف في حد ذاته، فعلة غائية من الخلق، وأمر طبيعي أراده الله سبحانه ليؤدي وظيفة معينة. وما حمل الإنسان على رأي واحد فهو الاختلال بعينه، واعتداء على الطبيعة وإفقار للحياة. فالاختلاف إذا ما كان داخل الإطار العريض، لما هو معلوم من الدين بالضرورة، والثابت ورودا والواضح معنىً، فهو لا يشكل أبدا عقبة في طريق وحدة الصف، بل هو إثراء له. فالسمت العام للحضارات الإنسانية عبر التاريخ، من أثينا إلى بغداد وقرطبة وصولا إلى باريس ولوس أنجلوس، كان قبول الاختلاف والتعدد، وإعلاء مكانة الحوار والمناظرة فتنجذب إليها العقول.

ما يؤكد أن الحضارة لا ترتبط بعقيدة معينة، إنما بمدى قدرة تلك الديانة أو الفلسفة على إبداع أنظمة، تنظم المساحات الشاسعة وتفتحها أمام التنافس والتفاعل، فلا تحدّها إلا الحرية والكرامة الإنسانية .وقد كانت الخلافة الشورية الراشدة، نموذجا إنسانيا رائدا، الا أن مبدأ الشورى لم يؤطر ولم يقنن، بل طغت عليه العفوية، المعتمدة بالأساس على نوعية الحاكم، مدى قوته وأمانته، ولم تكن قد تركّزت لها تنظيمات ومؤسسات بعد، عندما آلت مقاليد الأمور إلى المستبدين، فسهل على أولئك إفراغ الشورى من محتواها وإجهاض تجربة حكمها بإقامة الملك العضوض، الذي أستبدل فيه حكم الشعب كأساس، بالقوة كأساس للحكم، واتخذ مسار التطور عند المسلمين اتجاها واحدا، من الوحدة الى التشتت، خلافا للمسار الغربي. 

والأصل أن التصور الإيماني الصحيح ينفسخ حتى تضم جوانحه شتى المواهب والطاقات فلا يقتلها ولا يحجبها، ولكن ينظمها وينسقها ويدفعها في طريق الصلاح، فيغدو المختلفون وكأنهم متنافسون في لعبة متفقين على قواعدها، بعيدا عن فرض ألوهية حزبية أو مذهبية.