التجربة الصومالية.. الدولة والمجتمع

دخلت مفردة التجربة بالعلوم الاجتماعية عن طريق العلوم الطبيعية وبالتحديد المنهج التجريبي، والتجربة في هذا السياق اختبار منظم لظاهرة أو ظواهر يراد ملاحظتها ملاحظة دقيقة ومنهجية للكشف عن نتيجة ما. وهذا ما لا نسعى إليه، بل التجربة التي نقصدها هنا هي "مجموعة من الخبرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تراكمت في داخل المجتمع الصومالي والتي تكونت عبر حقبة تاريخية مختلفة تحمل دلالات سياسية واقتصادية واجتماعية". 

التجربة الصومالية كما قلنا هي الخبرة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي اكتسبها المجتمع الصومالي في مجمل الطروف التي مرت به. وبالتالي فإن كل مجتمعا يمتلك تجربة تاريخية مرتبطة بالأحداث الكبيرة التي حدثت في داخله، وهذه الأحداث هي التي تعطي التجربة أهمية ما. وطبيعة التجربة تحددها طبيعة التكوين والنشأة للمجتمع من جهة، والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية المحاطة به. وبالتالي فإن نشوء هذا المجتمع والانتقالات التاريخية التي مر بها، تخلق تجربة مهمة تستدعي الاهتمام والدراسة.

يمكننا أن نقول أن التجربة الصومالية من أكثر التجارب البشرية مثيرة، إذ مرت ظروف مختلفة ومزدوجة تاريخيا، فهذا المجتمع يعتبر مجتمعاً ليس حديثا بمعنى الحداثة، غير أنه مجتمع له تاريخ طويل يعود إلى ما قبل الكتابة، ومجتمعا مثّل قوة إسلامية واجهة القوات المسيحية في فترة تاريخية معينة، ومجتمعا تعرض لاستعمار ثلاثي، تعرض إلى تقسيمات لا زالت تؤثر وجدانه، ومجتمع عاش في علاقة معقدة ومتوترة مع الحداثة، ومجتمع فشلت الدولة الحديثة في تنظيمه وتحديثه، وبالتالي أصبح مشروع الدولنة مستعصيا على المجتمع الدولي الذي أهمل الصومال في بداية انهياره، ومجتمع انهارت الهوية المتخيلة السياسية التي صنعها الاستعمار، وتنامت الهويات الفرعية كهوية بديلة عن الهوية الكلية المتخيلة.

كل هذه التجارب تجعل التجربة الصومالية من أكثر التجارب الاجتماعية مثيرة وقابلة للدراسة، بل يمكننا أن نقول أن التجربة الصومالية تجربة ستثري العلوم الاجتماعية والإنسانية، لما فيها من قضايا ومواضيع وأحداث وظواهر قابلة للبحث والاستقصاء والدراسة. 

نشوء الدولة هي بالفعل نتيجة تفاعل بين علاقات القوة وبالتالي فإن الدولة مفهوم سلطوي معاصر، ودائما القوة الاجتماعية هي التي تؤسس الدولة بسبب امتلاكها أدوات القهر

الصومال الأن في مرحلة التحول وهذه المرحلة عموما من أهم المراحل التي تمر بها المجتمعات البشرية، من خلالها يتم توطيد نوع السلطة والوعي السياسي والنظام الاجتماعي، وعلينا أن نكون واعيين بهذه المرحلة، لأنها ستحدد مستقبلنا جميعا.

من الواضح أن الربيع العربي كشف هشاشة الأنظمة السياسية العربية وفشل الدولة الحديثة، إلا أن التجربة الصومالية كشفت هذه التناقضات قبل الربيع العربي بعقود، فنحن نعتقد أن التجربة الصومالية الأن تهم المجتمعات العربية أكثر من أي وقت مضى، ولهذا فعلى النخب العربية أن تعيد قراءة التجربة الصومالية وتنسى الصومال المتخيل التي صنعه الإعلام العالمي جانبا، وتسفيد من هذه تجربتنا.

الدولة الحديثة في مجتمع غير حديث

"لا شك في أن نشأة الدولة كانت أخطر التطورات في الحياة البشرية على الإطلاق، لكنها مع ذلك ما تزال مهملة نسبيا في الدراسات، وما يزال الغموض يحوط الكثير من جوانبها"
– روبرت كانيرو، نظرية في نشأة الدولة.

إن نشوء الدولة هي بالفعل نتيجة تفاعل بين علاقات القوة وبالتالي فإن الدولة مفهوم سلطوي معاصر، ودائما القوة الاجتماعية هي التي تؤسس الدولة بسبب امتلاكها أدوات القهر، والدولة الصومالية هي نتيجة تفاعل بين العشائر الرعوية وقوة الاستعمار، وبالتالي الاستعمار وجماعات الرعوية هم الذين أسسوا الدولة الصومالية الحديثة.

الدولة الحديثة التي تم إنشاءها أثناء الاستقلال فشلت في الانسجام مع المؤسسات الاجتماعية التقليدية وخاصة مؤسسة القبيلة، حيث لم يعد مشروع التحديث مشروعا ناجعا بل أصبح مشروعا يشبه الاستيطان الاستعماري، مما رسخ الطبقية والاستغلال والاستبداد وأصبحت النخبة الحاكمة تتصرف وكأنها المستعمر الابيض، من حيث الوحشية ومن حيث الرفاهية والاستهلاك. 

في الحالة الصومالية لم تسجل الدولة الحديثة تقدما من ناحية التحديث والتنمية بل صارت جزء من النزاعات المحلية حيث تورطت وأصبحت طرفا من النزاعات العشائرية لأنها فشلت بالفعل تحديث المجتمع، وفي فترات متأخرة قام المجتمع بإخضاع الدولة وضمها في المؤسسات التقليدية وبالتالي صارت الدولة الحديثة جزء من المؤسسات التقليدية، حيث انتهب علاقة الدولة بالمجتمع.

ولهذا نقول أن مشكلة الدولة الحديثة ليست مشكلة سياسية نخبوية أو ما يعرف بأزمة القادة فحسب، بل هناك جذور ثقافية وسياسية واجتماعية تقف وراء التناقض بين الدولة القومية الحديثة وبين ما نسميه بـ سوسيوسياسي أي الثقافة الاجتماعية التي تكوّن الفعل السياسي، مما يعني أن ثقافة الفعل السياسي للمجتمعات التي تعرضت للاستعمار ومنها الصومال بصورة خاصة لم تتوافق بصورة كلية تلك الثقافة الوافدة ومنها الدولة الحديثة البيروقراطية.

 

وبالتالي فإن أي محاولة تحديثية ستؤول إلى الفشل أو سيحدث تشويهها، وهي في الحقيقة تدجين الحداثة وإخضاعها للنظام القديم، حتى ينسجم مع البنيات الاجتماعية الأخرى، بنية القبيلة بالذات، وإن ظواهر الأحزاب العشائرية، الفيدرالية العشائرية كلها دليل على محاولة تدجين التحديث وإدخاله في السياق الاجتماعي والثقافي المحلي. وهذا يشير إلى التناقض الموجود بين التحديث ومؤسساتها وبين الثقافة المحلية ومؤسساتها. وهذا هو سبب انهيار الدولة الصومالية الحديثة.

التحديث القسري وانهيار مشروع الدولة

"الفكرة التي مفادها أن التحديث يعني تكرار تجربة الحداثة الغربية والتلاقي عند مؤسسات والأنماط الثقافية الغربية، هي بحد ذاتها واحدة من أوهام العصر الحديث الرئيسية التي دكها كثير من التطورات الحاسمة في التاريخ الحديث، وفي الوقت نفسه، فإن هذه الصورة الذاتية الخادعة للحداثة تتجاهل وتتغاضي عن ذكر الحالة التي عنت فيها الحداثة والتغريب، ألا وهي اقتباسات ثقافات أخرى منظورا أداتيا على الأرض وهي عدمي في النهاية"
– الدولة المستحيلة/ وائل حلاق ص ٥٨

في الربيع العربي ظهر في العلن كيف أن الدولة الحديثة الفاشلة تخلق سلوكا سيئا على المجتمعات، حيث يسود العنف والوحشية
 

كما قلنا أن التجربة الصومالية مهمة في عدة نواحي ولأنها أيضا تعتبر من أوائل التجارب السوسيولوجية التي أشرت إلى فشل نموذج الحداثي للدولة أو ما يعرف الدولة الحديثة، وبالتالي أكدت التجربة الصومالية بأن الدولة الحديثة لا يمكن لها أن تدير مجتمعا تقليديا متفكك متنازعا، إلا أن يقوم بمشروع التحديث، ومن الأمور التي تجعل التجربة الصومالية مهما هو فشل مشروع التحديث القسري والناعم على حد سواء. حيث لم تنجح المؤسسات الحكومية تحديث المجتمع ولم ينجح استعمار نفسه أيضا تحديث هذا المجتمع، بل كرس الانقسامات العشائرية ودعمها بصورة تخدم مصالحه الاستعمارية.

من المحاولات الحثيثة في تحديث المجتمع هي محاولة حكومة سياد بري في السبعينات القرن الماضي حيث أدخل مفاهيم جديدة على الوعي الاجتماعي مثل Iska wax u qabso، والصناعية وتوزيع الثروة ومفهوم العدالة الاجتماعية والعمال وكذلك مشروع تنمية الريف Hormarinta reer-miiga، لكنه فشل في اجتياز أهم امتحان وهي علاقة المجتمع بالدين، أما مشروع إعادة قراءة التاريخ واختيار نماذج تاريخية بهدف تشكيل الوعي الصومالي الجديد بل ورسم صورة الهوية الصومالية، لذلك اهتم بالفن واللغة كمدخل أساسي في مشروع إعادة الاشكلة، وكلها كانت تخدم مصالح النخبة الحاكمة وزمرتها. 

قاومت هذه الحكومة المؤسسة التقليدية (القبيلة) بصورة مزدوجة حيث أنهت استخدام الألفاظ والالقاب التي تنتمي إلى ثقافة العشائر، وقامت بإعادة هيكلة القبائل ووضع مواليها في المناصب التقليدية. ونفس الأسلوب ونفس السياسات حاولت بإعادة هيكلة الدين واستخدامه في مصلحة النظام، حيث كانت تدعم المشايخ التقليدين وتعادي بعضهم لأسباب سياسية. والقضية المهمة في هذا الأمر هي قضية إعدام العلماء المشهورة عام ١٩٧٤ وتعتبر هذه الحالة نوعا من أنواع التحديث القسري والتي من خلالها تقوم الدولة بتصفية جميع مخالفيها بتهم منها الرجعية والخيانة. ونجحت الحكومة نسبيا إرهاب الناس وزرع الخوف، وهذا كانت نتائج التحديث القسري القائم على التجسس والإرهاب. 

في الربيع العربي ظهرت نتيجة التحديث القسري والدولة الحديثة البيروقراطية القمعية التي لا تمثل المجتمع ولا تنتمي إليه، وانكشف حجم البراثيين التي وضعت الدولة في جسم المجتمع عن طريق السجون أو في المعتقلات السرية، وكذلك ظهر في العلن كيف أن الدولة الحديثة الفاشلة تخلق سلوكا سيئا على المجتمعات، حيث يسود العنف والوحشية، فكل هذه هي نتيجة الاضطهاد والعنف والاستبداد التي تمارس الدولة الحديثة الفاشلة على حق المجتمع، حيث لم تترك شيئا إلا وشوهته من تاريخ وثقافة وأخلاق ودين وهوية.

ومن الصور الرائعة التي تجسد قدرة الدولة على التلاعب بالوعي وتزيف الحقائق وتدمير المجتمع، رواية ١٩٨٤ لجورج أورويل، حيث يمثل الشعار الشهير في الرواية التي تمثل قمة التزييف والتلاعب بالعقل، الحرب هو السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة، كذلك ظاهرة الأخ الكبير والجواسيس الموجود في كل مكان، هي طبيعة الدولة المتوحشة تلك الدولة التي تعتمد على الجواسيس والبوليس السري والتعذيب والسجون.



حول هذه القصة

عبر رئيس اللجنة الثورية التابعة لجماعة الحوثي اليمنية محمد علي الحوثي عن دعم الجماعة للصومال، في ظل تأزم العلاقة بينه وبين الإمارات المتهمة بالتدخل في شؤون هذا البلد والمساس بوحدته.

20/4/2018

طالب وزير الخارجية الصومالي أحمد عيسى عوض شركة موانئ دبي العالمية بإعادة النظر في عقدها مع إقليم أرض الصومال، ودعاها للتعامل مع السلطات الاتحادية حتى لا يحدث انتهاك لسيادة الصومال.

21/4/2018

تناول برنامج “زمام المبادرة” مبادرة من سلطنة عمان لتدريب المكفوفين على استخدام الحاسوب، ومبادرة من السودان للوصل بين مخرجات الجامعات وسوق العمل، ومبادرة إعلامية من أرض الصومال لمساعدة الفقراء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة