شعار قسم مدونات

أنتَ تعلمُ يا الله..

blogs امرأة

ثمّ كبرت، ونضج شيئاً ما بداخلي صار يدفعني تباعاً إلى أن أدير ظهري دائماً – بتعبير آخر: أن أندفع للأمامِ وأن أواكب العَجَلة دون الخشوع لأي مطبّ ودون الإمعان في وجوه الطريق المعتمة، هو الشيء ذاته الذي يجعلني الآن أرمقُ العالم بتلك النظرة، النظرة التي أختصر فيها كل ما يجيش بداخلي ولا أكلف نفسي جهداً أبداً كي أشرحه لأحد، فأنت تعلمُ به يا الله ويكفيني أنك تعلم، -هذا الأمر- وحده كافٍ لبثّي في هذه الحياة، وكافٍ جداً لكي يجعلني أشرِقُ برغم أنفِ مواقع الإطفاء المتكررة والمتناثرة في هذا العالم.
 
كبرتُ، وتأكدتُ أكثر أنني لست بحاجة لتبرير نواياي لأحد، لأن – أيضاً – اطلاع الله على صدورنا الصغيرة وعلمه بحقيقة نوايانا يكفي، فلم أعد -بعد- مهتمة بما سيفهمه فلان، أو سيفسره علّان، إن الأشياء تحتمل ألف تأويل في أفواه البشر، وإن نيّتي فيها أو مقصدي واحد، سأوكّل صدقي فيها إلى الله، وحده العالم بكل شيء، والمطّلع على كل شيء، وهذا سيكفي جداً.
 
لا، لستُ بحاجة لأن أهتمّ إذا ما أحسّ بي الآخرون أم لا، إذا ما وصلتهم الحرارة التي تتأجج في داخلي أم لا، إذا ما رأوا وجهي المكفهرّ أم لا، هذا الله: لقد رأى وسمع واطّلع، وإن ذلك يصيبني بيقينٍ خالص فأنطلق إلى أمواجِ هذا العالم بثقة تامة، وقلبٍ يعمرهُ الدفء المتصل بوجه السماء على الدوام .
 

لم أعد منشغلة بالغثاء البشري اللامحدود، واستطعتُ أن أبصر هذا بعدما صفت النافذة التي أرى فيها العالم. أستطيع أن أتحسس الفوارق التي حدثتْ، وحجم الإنجاز الحاصل

أجلّ، لن أصرف طاقتي في العتاب أو التوضيح، أو محاولة إيصالِ الصورة، الأمر أبسطُ جداً مما توقعتُ، حين أوكلتُ كلّ هذا إلى الوجهة الأكبر منهم جميعاً، إلى الله، فلم تعد تؤرقني الفكرة، أو أنها لم تعد موجودة. أنا ذلك الشيء الذي يعجّ بالثقة والنور، المنطلق اللامتوقف المستمر المُقْدِم الأول، والذي سلّم كل شيءٍ إلى الله، وامتلأ جوفه بالسَكَن والرضا، حينَ ارتفع عن غثاء البشر، وصادق نفسه التي ارتفعت -لا إرادياً- وبشكل تلقائي في اليوم الذي قررت فيه ذلك.
 
وأنا جزءٌ من هذا النطاق البشري الموجود، اختارَ منطقَ الطفو على الأشياء كي يستطيع إبصار ثقب النور من آخر المسافة، فيستطيع أن يتقدم أو أن ينجز في إطار هذا العمر المحدود، لا يمكن أن أصرف الوقت – وهو موردي الثمين غير المتكر-، لا يمكنني أن أصرفه هدراً أو أبذله في دائرةٍ فارغة من القلق والأرق، أنا مرتكزةٌ على قاعدة الرضا والتسليم لله -منبثقِ النور من السماء، انطلقتُ إلى هذا الفضاء الواسع من ثقتي الكبيرة به ومن إشراقةٍ تسربت إلى صدري ليلاً -ودون أن أشعر- حينما رفعت يدي "يا رب أنت تعلم، وهم لا يعلمون".
 
العملية جداً أسهل، والشمس بهذه الطريقة باتت أكثر إضاءة مما توقعت، النهار مُشرقٌ جدًا، والعالم أكثر جمالاً، اكتشفت هذا الآن!، فلم أعد منشغلة بالغثاء البشري اللامحدود، واستطعتُ أن أبصر هذا بعدما صفت النافذة التي أرى فيها العالم. أستطيع أن أتحسس الفوارق التي حدثتْ، وحجم الإنجاز الحاصل، إضافة إلى ما هو أهم من ذلك كله: "الراحة والقرار الداخلي"، الشيئان اللذان لن يعوّضا بأي طريقة أخرى، أو لن يسدد نقصهما أي شيء آخر، والشيئان اللذان إن تذوقهما الفرد سيعرف أنه كم كان في ضياعٍ حين كان تائهاً في ضجةِ البشر وضوضائهم.
 
وأستطيع أن أعمل دون خوف، فثقتي بحقيقة النيةِ وصدق الاتجاه، ويقيني بأن الله يعلم بهما مطلعٌ عليهما، كافٍ وكافٍ جداً لكي أندفع دون تلكؤ أو ترددّ أو خشية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.