واسيني الأعرج.. المورسكي الأخير

لا تكمنُ مهمة الناقد الأدبي فقط في قراءة وتشريح النص لغويا أو فكريا ثم نسبه لأحد المدارس الفلسفية أو الروائية، بل من مهام الناقد أيضاً أن يتذوق طعم الحروف والكلمات جيدا ليكون منصفا وحياديا فيما يقرأه بعيدا عن معتقداته وآرائه الشخصية "الناقد الملتزم" هو من يبحث في أعماق العمل الأدبي بكل أنواعه عن كل ما هو جميل ويقرأه بلغة الدارس النهم ليسلط عليه الضوء أكثر بكل حيادية ثم تأتي هنا مهمة القارئ في المفاضلة والانتقاء لأنه الشخص الوحيد الذي يمايز من وجهة نظره بين الأعمال الأدبية ليختار من بينها ما يتطابق مع أفكاره ورؤيته ومعتقده دون أن يؤثر به رأي النقّاد، خصوصا عندما يكون رأيهم سلبيا وكيديا لأسباب شخصية اتجاه الكاتب، لذالك أنأى بنفسي عن النقد السلبي لأي أديب وآثرت أن يكون المثال في هذا المقال عن الكاتب واسيني الأعرج.

 

ذاك الحكَّاء الجميل الذي تذوب الحروف بين يديه متحولةً إلى شلالات من الألوان والأماكن التي لا نَملّ من زيارتها والغوص في مكنوناتها، عباراته تدخل القلب دونما استئذان كمقاوم يريد تحرير كل البشر، يحمل قلمه على كفه وينطلق بين الأزقة والحواري والزوايا المنسية، في بوحهِ مفاتيحٌ لبواباتِ الزمن العتيق، يدخلك إلى عالم الأمير عبد القادر الجزائري ثم ينتقل بك غير آبه للتأشيرات عبر الحدود فتشعر بالنشوة كأنك ترافقهُ في عوالمه المفقودة يسير بك بخطىً متزنة من أعماق الماضي إلى أعالي المستقبل البعيد لتعبرَ معه بوابة الضوء فترى الحقيقة العارية عن حجم المعاناة من خلال كلماتٍ تحفرُ طريقها في الذاكرة كأنها مسامير حلزونية تحفر بقسوة لكنها تبلغ العمق أسرع.

 

واسيني الجزائري المغرق في الأصالة ما زال يؤرقه ما آل إليه حال البلاد العربية، فهم يذكرونه دائما بمعاناة المورسكيون وما قاسوه من ظلم وبطش تحت وطأة قرارات الملك فيليب والملكة إيزابيلا

"رماد: يا آخر ذئاب البراري الموحشة هل العالم هو من يعيش في كذبة الحياة؟ أم نحن من يعيش في كذبة الموت؟"

رواية العربي الأخير 2084

"من يتذكر اليوم طغاة الدنيا منذ بدء الخليقة؟ لكن من ينسى اليوم شكسبير، فلوبير، الحلاج، بشار بن برد، سرفانتس عمر الخيام… لكن من يتذكر قاتل بوشكين؟"

من رواية ذاكرة الماء ص21.

بالرغم من بساطة العبارات السابقة لمن يقرأها فقد أحسن واسيني اختيار موقعها بالضبط حسب الموقف الذي كان يتحدث به ابطال روايته لكنها تحمل في اعماقها جزيئات العصور المتحللة والتي تخزن ذاكرة البشر الذين مروا بها ليرى القارئ نفسه أمام نفسه – مهما كانت جنسيته او دينه او قوميّته- فإنه يشعر أن الرواية تخصه وحده وهذا جوهر أسلوب واسيني الروائي في معظم أعماله الروائية.

واسيني الجزائري المغرق في الأصالة ما زال يؤرقه ما آل إليه حال البلاد العربية، فهم يذكرونه دائما بمعاناة المورسكيون وما قاسوه من ظلم وبطش تحت وطأة قرارات الملك فيليب والملكة إيزابيلا، فيسعى في أغلب أعماله الروائية تقريباً لحشر بضع كلمات أو رموز أحيانا قد لا يكون لها مكان في النص من وجهة نظر القارئ لكن واسيني أراد لها أن تكون أيقونة أو منارة لتسليط الضوء على قضية من القضايا التي يشعر بداخله بأنها ستكون سببا لسقوط البلدان العربية واحدة تلو الأخرى كما سقطت غرناطة في ما مضى فتراه يضع العربي أمام مرآة في روايته "العربي الأخير 2084".

 

فكل ما تخيله في روايته يحدث بالفعل وقد أصاب عندما تخيل أن هناك جهاز سري مخصص لقتل العلماء العرب وتم اختطاف عالم الفيزياء النووية "آدم" بعد أن قتلوا زوجته اليابانية في باريس، ولا أجد هذا خيالا بعد أن سمعت بوسائل الإعلام منذ أيام عن اغتيال الدكتور المهندس فادي البطش في ماليزيا، إذً واسيني يملك القدرة على محاكاة المستقبل من خلال سعةِ أُفُقِ أدبهِ الملتزم والمفرط في جمالية الكلمة والصورة الفنية إلى حد التصوف مع هوسه بقضية أن الأدب يجب أن يكون ملتزما كما يراه "جان بول سارتر" من قبلهِ وهذا ما يفعله واسيني في كتاباته مع أنه يكتب في كل المدارس الأدبية وليس لديه تعصب لمدرسة بعينها لكنه يهتم في كل مؤلفاته بقضية الإنسان أولا وأخيرا.

 

تتخيل وأنت تقرأ أعمال واسيني الأعرج أنه الأندلسي الأخير الذي هاجرت مورثاته مع أجداده عبر مضيق جبل طارق في مهمة مقدسة نحو الجنوب
 

واعتقد أن هذا نوعاً من أنواع الالتزام في الأدب المعاصر لأنه يعتمد في أعماله الروائية على التاريخ فيأخذ منه ما يناسب خياله الخصب ثم يسقطه على الواقع بريشة الفنان الذي يحول الكلمات إلى لوحات مفعمة بالحياة تبوح بكل أسرارها لمن يمنحها فرصة التحدث فتتحول إلى عدوى تنتقل من واسيني إلى قرائه عبر تلك اللوحات التي تحمل بين حروفها كلَّ شجن ومواجع المورسكيين ومعاناة الفلسطينيين وعذابات الجزائريين بين الاحتلال والإرهاب وفيما بعدهم عذابات العراقيين واليمنيين والسوريين وما يملأها من مشاعر الظلم ،الغبن ،الاستغلال ،الغربة، الحنين إلى اوطانهم الضائعة.

"آن الأوان لأعبر هذا الجسر الأخير اخترت أن أموت هنا داخل هذه الكومة من الغبار مجردُ وهمم جميل عشت به قرابة القرن من العبث وربما أكثر"

من رواية العربي الأخير2084 /2015/ واسيني الأعرج.

كل ذلك يجعلك تتخيل وأنت تقرأ أعمال واسيني الأعرج أنه الأندلسي الأخير الذي هاجرت مورثاته مع أجداده عبر مضيق جبل طارق في مهمة مقدسة نحو الجنوب، ولتستقر بعد عناء الرحلة في بلد المليون شهيد وتُعمّد لاحقا ذلك الأديب بمنحه هبة البلاغة وأصالة النص الأندلسي وليحافظ هو بدوره على شمس غرناطة مشرقة فيصنع في كل بلد يحلُّ به غرناطة تخصه.



حول هذه القصة

قال مراسل الجزيرة إن قوات كبيرة من جيش الاحتلال الاسرائيلي اقتحمت مدينة جنين شمال الضفة الغربية، وتحاصر منزل الأسير أحمد جمال القنبع (٢٨ عاما) في حي البساتين وسط المدينة.

24/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة