متى يوضع فساد الأنظمة على سندان الإصلاح؟

الفقر الذي يتعاظم خطره، وتتسع رقعته، وتزداد مأساته في مجتمعاتنا العربية، على وجه الخصوص، التي باتت تتآكل فيها الطبقة الوسطى، التي كانت مستورة الحال نوعاً ما، لينتقل الناس في مجتمعاتنا إلى طبقتين بعد أن كانوا ثلاث طبقات مجتمعية، طبقة الأغنياء، وطبقة الفقراء، كان بينهما طبقة متوسطة، ينتمي لها معظم أبناء المجتمع، هذه الطبقة الآن في طريقها للاضمحلال والتلاش لصالح الطبقة الفقيرة بالطبع، التي باتت تتسع بشكل رهيب. وانتشار الفقر بهذه الصورة الفظيعة في مجتمعاتا، وانبعاث أنين معظم الناس من تحت طرقات الفقر المؤلمة والموجعة، إذ بات الناس عاجزين عن سداد مستلزمات حياتهم اليومية والأساسية، فضلاً عن متطلبات ونفقات التعليم والعلاج والسكن والحياة المتوسطة بكرامة وحفظ ماء وجوههم.

هذا الاتساع والانتشار لرقعة الفقر يؤكد حجم الفساد الذي تغرق فيه الأنظمة العربية الحاكمة، التي أهدرت خيرات بلادها، وعبثت بمقدراته، وضيعت هباته الطبيعية والبشرية بكل أنواع الفساد وأشكاله، حتى أصبح الفساد في هذه الأنظمة مؤسسة ضخمة لها هياكلها ورموزها وأدواتها التي تسيطر على المجتمع سيطرة شبه كاملة، وبوسائل قانونية وديموقراطية، عبر انتخابات مزورة، وخطابات ملفقة، ومحاكم فاسدة، وأجهزة أمنية متسلطة، ومؤسسات مهترئة، نخر فيها الفساد حتى العظم.

هذا الفساد الذي يؤسس للظلم والبغي العدوان، الذي يشك مظلة لغياب الفرص وضياع الحقوق، الذي تنقلب فيه موازين الحكم والإدارة، فيتقدم من حقه التأخير، ويؤخر من حقه التقديم، الذي تتحول بموجبه الحقوق إلى مكرمات يمن بها الحاكم على رعيته بفضلات مال الأمة المنهوب، وينتظر بعد ذلك التصفيق والمديح والشكر على هذا الكرم، هذا الفساد الذي تحول يقسم الناس إلى طبقتين لا ثالث لهما، طبقة السادة الملأ، وطبقة العبيد، بقية خلق الله، الذي أسس لانتشار العصبية، وأعاد الناس إلى جاهليتهم الأولى. هذا الفساد في الحقيقة من شأنه أن يفسد أي جهد إصلاحي مها كان حجمه ووزنه، فمن العبث أن تحاول علاج الآفات المترتبة على فساد الأنظمة من فقر تسبب في زرع الخوف والهلع في قلوب الناس، ومن ظلم وقهر ألزم الناس السكوت أمام ضياع حقوقهم، وإهدار مقدراتهم، ونهب خيرات بلادهم.

من الصعب أن تحقق حركات الإصلاح أهدافها المنشودة بإصلاح المجتمعات، ومحاربة آفاته من فقر وبطالة وجهل وعصبية وانحراف، إن لم تضع في رأس أولوياتها أولاً محاربة فساد هذه الأنظم

إن أس البلاء في المجتمعات هو فساد الأنظمة، فكيف إذا تحول الفساد إلى نهج حياة، وإطار لكل مؤسسات الدولة؟ ومما يفاقم الأمر سوءاً، ويزيد من صعوبته أن الحكام في النظام العربي قد جمعوا بين وظيفتي الحكم والتجارة في وقت واحد، بطريقة لم يسبقهم إليها أحد، فشاركوا الناس أقواتهم وأعمالهم، ونافسوهم في أرزاقهم. وبلوغ قمة الفساد تكون بالجمع بين الحكم والتجارة، أي أن يصبح الحكام رجال أعمال، يحرصون على جمع الثروات وتنمية أرصدتهم.

الإصلاح في ظل الأنظمة الفاسدة عبث وإضاعة للجهد والوقت، بل إن الأنظمة الفاسدة المستبدة هي المستفيدة من نهج الإصلاح الجزئي الذي يتتبع مواقع الفقر والجهل والمرض ومواطن الخلل في المجتمعات، والتي هي ثمرة فساد هذه الأنظمة، ويغفل في الوقت نفسه عن فساد هذه الأنظمة، وخطر هذا الفساد وفداحته على البلاد والعباد، وآثاره المدمرة على المجتمعات. هذا الفساد الذي ترعاه الأنظمة، جندوا له جيشاً من السياسيين والإعلاميين والنخب الثقافية والأدبية والتربوية، وعلماء الدين ورموز مجتمعية،، كل في موقعه يذود عن حمى فساد الأنظمة ويدافع عن رموزه، الذين يقدمون على أنهم حماة الأمة، ورعاتها، وقادتها، والغيورون على مصالحها. فجندت في صف الدفاع عن فساد هذه الأنظمة عمائم كبيرة، ووظفت منابر ذات وقع، وصيغت فتاو دينية تشرعن فسادهم، الذي يتحول بصنيع هذا الجيش من مرتزقة الأنظمة وذيولها ودبابيسها إلى رموز وطنية نبيلة. فماذا يمكن أن يفعل الإصلاح الترقيعي في ظل هذه الأنظمة المحترفة في سبل الفساد وطرائقه؟

فمن الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل أن تحقق حركات الإصلاح أهدافها المنشودة في إصلاح المجتمعات، ومحاربة آفاته من فقر وبطالة وجهل وعصبية وانحراف، إن لم تضع في رأس أولوياتها أولاً محاربة فساد هذه الأنظمة وفضحه ووقفه عند حده، يصاحب هذا بالطبع العمل على توعية الناس بما لهم من حقوق يحب أن يأخذوها عنوة إن لم يكن الأمر متاحاً لهم بوسائل القانونية والدستورية، بموجب العقد المبرم بين الحاكم والمحكوم، والذي يكون الحاكم فيه أجيراً وخادماً عن المحكوم، يوفر له سبل العيش الكريم، بأمن وأمان ورخاء، بحفظ نفسه وماله وعرضه.. إلخ.

يستمر مسلسل ضياع الجهود والأوقات مع تضخم الفساد وتمكنه. فمتى يتم وضع فساد الأنظمة على سندان الإصلاح وتحت مطرقته؟
 

لقد بذلت حركات الإصلاح في المجتمعات العربية الكثر من الجهود والأوقات، فأسست الجمعيات الخيرية، والمستشفيات والمدارس والمعاهد ودور الأيتام، التي تحاول من خلال هذا كله الإصلاح المجتمعي، ومحاربة آفاته، وتنقيته من أمراضه، ورغم كل ذلك ازدادت مساحات الآفات في مجتمعاتنا، من فقر وجهل وبطالة وجريمة، لقد ازدادت مساحة الآفات في مجتمعاتنا اشتعال النار في الهشيم، حتى تحول كثير من جامعاتنا إلى ساحات للبغضاء والشحناء والعداوات العصبية، وذكرت الجامعات، لأنها منابر علم ونور، الأصل أن تبدد ظلام المجتمعات وتسهم في نهضتها ورفعتها وتطورها،، فإذا هي عكس كل هذا، إنه فساد الانظمة.

وذلك كله تأكيد على أن نيران فساد الأنظمة أعظم تأثيراً وانتشاراً وفتكاً من مياه الإصلاح الدافئه التي تعمل على نظام التنقيط، نقطة نقطة، وبعيداً عن إزعاج الفساد وأهله، الذين يرفلون بثياب العز والأمن والأمان. ومن فساد هذه الانظمة أنها لا تدع أهل الإصلاح وشأنهم، بل تلجأ في الغالب إلى محاربة مؤسسات الإصلاحيين الخيرية والتعليمية والتربوية والاستلاء عليها، وإدارتها بطرقهم الفاسدة، وبهذا تفتح جبهة جديدة لإلهاء الإصلاحيين، وإبعادهم عن مواطن الفساد التي ترتع فيها الأنظمة.

فبدل أن يعيد القوم النظر في طرقهم ووسائلهم الإصلاحية، يفسرون الأمر على أن هذا الأسلوب في محاربة هذه المؤسسات إنما هو تأكيد على أهميتها وخطورتها، وهذا صحيح لو كان الفضاء رحباً، والأجواء نقية، والبلاد خالية من عديمي الذمة والضمير، والأنظمة اللصوصية، نعم، هذا صحيح لو كانت الحقوق مصانة، والحريات مقدسة، والحكام يملكون نفوساً عفيفة.

وبالتالي يقود الإصلاحيين تفكيرهم بناء على تشخيصهم الجزئي السابق إلى نتيجة عقيمة في نهاية المطاف، فإما أن يبذل المزيد من الجهود والأوقات في سبيل استرجاعها، أو في تأسيس غيرها، وهكذا يستمر مسلسل ضياع الجهود والأوقات مع تضخم الفساد وتمكنه. فمتى يتم وضع فساد الأنظمة على سندان الإصلاح وتحت مطرقته؟ حتى يثمر الإصلاح ونقطف ثمرته؟ 



حول هذه القصة

قال الرئيس التركي إن السلاح الذي لم تستطع أنقرة شراءه بأموالها قدمته واشنطن مجانا للوحدات الكردية وحزب العمال الكردستاني بشمالي سوريا “مما يعني أن التهديد يأتينا أولا من شريكنا الإستراتيجي”.

22/4/2018

قال المكتب الإعلامي لوزارة خارجية حكومة الوفاق الوطني الليبية إن القنصلية العامة التونسية استأنفت عملها بالعاصمة طرابلس بطاقم دبلوماسي مكون من القنصل العام توفيق القاسمي وثمانية موظفين.

22/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة