في حُنيْن.. يوم هُزمت نفسك

عن أيامك الطويلة البائسة التي لا طالما حلمتَ بانقضائها وعن دعائك في جنح الظلام تتذرع الى الله أن يجلو همك، عن كل دموعك التي ذرفت وأنت تنتظر الفرج، كنت حينها تُبنى وأنتَ لا تدري الى أن انزاح الهم وبُدّلَ الحزنُ فرحًا. أيقنتَ حينها أنك كسِبت المعركة وأنَك ارتقيتَ مرتبة في سُلَّم القوة والصبر ولعلها كانتْ مراتبَ.

 

أصبحت من حينها ترى وُحول الحياة مروجًا وصُخورها ربًى، فأعجبت ببصرك. أصبحت تسير واثقَ الخطوة لا يعيق تقدمك شيء فأعجبتَ بساقيك. أعجبتك قبضة يدك القوية وأعجبكَ قلبك معتدلُ النبض رغم كل المفاجآت. كنت في كل خطوة تستندُ الى عضوٍ منك الى أن أعجبتك نفسك فكان أمرُ الله أن تحيا يومَ حُنيْن. كان اليوم الذي لم تعرف فيه نفسَك التي أحببتْ. لم تقوَ ساقاك على حملكَ وخانكَ البصر فلم تعد ترى إلا عتمةً. وهنت وخارت قِواكَ. نظرتَ الا قلبِك فوجدته يوشِكُ أن يبلُغَ الحنجُرة. لم يبقَ لكَ الاّ لسانٌ اعتادَ يومًا ما على ذكرِ الله فقال "يا الله".

 

بَدَا لكَ أنه لم يستجبْ لك عندما عدت أدراجك تسأل عمّن أنت، تتلمس أطرافكَ وتتمنى لو أنَّ ما حصلَ لم يكن حقيقةً. لم ينجيك دعاؤُكَ الذي ظننته دعاء المضطرِّ هذه المرة. لمْ تشعر أن طبيعة الكون تترتب من أجلكَ في لحظة الخيبة تلكَ كما كان يحصل في السابقِ. كان كلُّ شيءٍ يسير بعكس ما تشتهي. أَوْشكت على أن تظن بالله الظنون وعدت تبحثُ في سجلِّ ذاكرتِكَ الضيق عن ذنبٍ كنت تستحقُّ عليه ما ظننته عقوبةً. نسيتَ كم ذنْبًا فعلتَ ولم تعاقبْ وكيفَ كنت ترمم صدع نفسِكَ بآيةِ "يبدّلُ الله سيئاتهم حسنات".

 

خضت أنت تحدياتك اعتمادا على وهم قوتك فهزمت. فتجهّز لحنين كلّما التجأت إلى نفسكَ غفلةً وأبشر ببدر كلما انقطعت بكَ أسباب الدنيا والتجأت إلى الله

نَسيتَ ولكنَّ الله لم ينس -يومَ كنتَ تُملِّكُه نفسَك- أنّكَ طلبتَ منه ألاَّ يوكلك لأحدٍ من دونهِ. كان يومها دعاء صادقًا طرقَ أبواب السماء فكان جوابه كنْ فكانَ. عندها عرفتكَ قواعد الطبيعةِ وكانت، كلما انطلقتَ توكل الأمر لله، تنحني لك، تغير ألوانها وتبدّلُ تضاريسها حتى تمرَّ بسلام. ويوم نسيت كلمة الله ووكلت أمرك لنفسك، كنتَ على عتبة الضلال لو لم يجعل الله لكَ سببًا كي تعودَ لتتخذه ركنكَ الشديد.

 
كان لا بدّ لكَ من يومٍ كهذا كي ترُدَّ الفضل الى صاحبِه ولكي تعلمَ أن نفسك التي اخترتها عضُدًا لم تكن يومًا عروتك الوثقى. كان حقًّا على الله أن يؤيّد المؤمنين بنصرهم على أنفسهم قبل أن ينصُرهم في اختبارات الحياةِ. وما اختبارات الحياة بنجاحك فيها أو فشلك سوى أداة لمعرفة دواخل نفسِكَ حيث وجب عليكَ أن تخوض أولى معارِكِكَ. لو لم يعلم الله أنّك من المتفكرين في حكمه في كل ما يحصل ما قضى أمره ذاكَ، ولكنت مثل الذين أعماهم فكان سواء عليهم عطاء الله ومنعه.

  
خِيضت حُنين بجيشٍ كبير استند إلى عُدته فهُزم فليس لمعركة الحق أن تكسب الا بمعونة الحق. وخضت أنت تحدياتك اعتمادا على وهم قوتك فهزمت. فتجهّز لحنين كلّما التجأت إلى نفسكَ غفلةً وأبشر ببدر كلما انقطعت بكَ أسباب الدنيا والتجأت إلى الله.

 
بدرٌ وحُنيْن لم تكونا فقط معارك عُدة وعتاد وكفار ومسلمين قُضِي فيهما ما قضي وطُوِيتا كمحطتين في صفحات كتب الغزوات. إنما كانتا ملحمة الإنسان ضدَّ نفسه ونصره وهزيمته أمام نفسه. كانتا ميزانا وُضع في كفتيه العقل والايمان فرجحت كفة الايمان وخابت حسابات العقل. ففي طريق الحقّ تتغير الأوزان وتفشل أشد المخططات احكاما وتنجح أدناها اتقانا. يعيش المؤمن بين بدر وحنين، بين نصر رغم ضعف وهزيمة رغم قوة، الى أن يستقر الله في قلبه فيُؤيد عندها بنصرٍ دائمٍ مبين.



حول هذه القصة

كان الجهاد ومازال ذروة سنام الإسلام، وبقدر ما كان نبي الإسلام صلي الله عليه وسلم رحيما بقدر ما كان يستشعر أهمية القوة في حماية الرحمة، وفي نصرة شريعته، وإقامة دولته، وأهمية غزوات الرسول في الوقت الحاضر.

كيف يستفيد المسلم من الاحتفال بغزوة بدر الكبرى؟ وماذا يعني إقرار الرسول لمبدأ الشورى في هذه الغزوة؟ وما الأسباب الحقيقية لانتصار المسلمين على المشركين فيها؟ وكيف يأتي تأييد الله؟ وكيف يضيع النصر من الممسلمين؟

تأخر الإذن بالجهاد.. دلالاته ونتائجه، وفرضية الجهاد بين الوجوب والكفاية على المستوى الشرعي، صناعة الموت وصناعة الحياة نقيضان تحت راية واحدة، مقاطعة المنتجات الإسرائيلية.. واجب شرعي وحتمية واقعية على طريق النصر.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة