خيانة الرواية والارتماء في حضن العدو

لا يختلف اثنان حول أهمية الرواية لدى القراء، لكونها تنقل ما تعيشه المجتمعات بالنقد أو المدح إضافة لكونها أصبحت تستحوذ على أعلى المبيعات في معارض الكتب المختلفة خصوصا في العالم العربي، وفي الجزائر تتصدر روايات أحلام مستغانمي، واسيني الأعرج ورشيد بوجدرة إضافة إلى ياسمينة خضرا قائمة المبيعات نظرا لمكانة هذا الرباعي الأدبية في الساحة العالمية، ولكن الملاحظ في السنوات الأخيرة ظهور مجموعة كتاب تخلو أعمالهم من الجمالية اللغوية والإبداع الفني لتنشرها دور نشر حديثة النشأة دون أن تخضعها لمعايير التصحيح اللغوي نظرا لكونها لا تمتلك مصححين لغويين وهيئة رقابة على الأفكار المنشورة، ما جعل نسبة معتبرة من الكتب التي تنشرها هذه الدور تشكل سلاحا ضد الهوية الجزائرية والأدب الجزائري سام المعاني.

ففوز كمال داود بجائزة الغونكور عن رواية منشورة من قبل دار نشر جزائرية وهو المعروف بنزعته العدائية تجاه الإسلام والهوية الجزائرية انطلاقا من عقد نفسية تبدو جلية واضحة لمن يقرأ كتاباته أو يشاهد حواراته، لا يمثل تغيرا في السياسات الفرنسية تجاه المنطقة العربية عموما والشمال الإفريقي خصوصا بقدر ما يعتبر استمرارية لسياسة تشجيع الرداءة الأدبية المناهضة لكل ما هو عربي.

 

ولهذا فإنه من الطبيعي منح الغونكور لكاتب معاد للعروبة ولا تمنح لرشيد بوجدرة مثلا أو حنا مينة وكلاهما له مسار أدبي حافل بالروايات الرائعة ولكن الجوائز الأدبية تمنح حسب المواقف والتوجهات الفكرية، وبالتالي فإن الملاحظ سيخلص إلى إدراك صناع القرار في الدول الغربية الكبرى لأهمية الرواية لدى الشعوب العربية التي ترتفع فيها مبيعات الرواية أكثر من بقية أنواع الكتب، ما جعل وزارات الثقافة هناك تعمل على اختيار نخبة تتحدث باسم فرنسا أو بريطانيا في الداخل العربي عبر تتويجها بجائزة أدبية تجلب لها إعجاب القراء ثم جعلها قامة لا تنقد أفكارها ومواقفها بل وجعل كلامها أو مناشيرها مادة دسمة للنقاش، وهذا ما يتجلى بوضوح في ظاهرة كمال داود الذي انتقل من العدم إلى شغل عقول الكثيرين في وسائل التواصل والوسائل الإعلامية رغم أنه لا مجال للمقارنة بينه وبين قامات الأدب الجزائري.

النخبة المثقفة الجزائرية يمكنها أن تدفع بالمجتمع للتقدم ومنافسة بقية الحضارات، عبر خلق نوع من الإبداع والإنتاجية في مختلف المجالات، لجعل المجتمع الجزائري قادرا على التكيف مع الواقع

فإذا كان الحوار الثقافي والحضاري أمر لا مناص منه لإنقاذ البشرية من الفناء، فإن استغلال الدول الكبرى للجوائز الأدبية لخدمة مصالحها في الداخل العربي عبر خلق كيان ناطق باسمها في الحدود العربية يعد أمرا وجب مواجهته من قبل النخبة المثقفة الوطنية قبل الأنظمة التي تسير كذلك في فلك التبعية للغرب، ولكن المؤسف أن جزءا كبيرا من النخبة العربية في مجال الأدب أصبحت تلهث وراء الجوائز والشهرة الزائفة فقط ولو على حساب القومية والهوية العربية.

كما أن خطر الغزو الثقافي الذي تمارسه الدول الأجنبية ضد الجزائر لا يتجلى فقط في كتابات الكتاب اللاهثين وراء الشهرة، بل حتى في البرامج التدريبية والتدريسية التي تقدمها سفارات الدول وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت المتصارعة لنيل أكبر عدد من الأتباع الشباب اللذين تعدم هويتهم الحضارية واللغوية حين التخرج من مراكز هذه الدول عبر عملية غسل دماغ مقننة فيصبح هؤلاء ناطقين رسميين باسم تلك الدول، ما يجعلها تصدر ثقافتها بشكل ناعم وتسيطر على العقول التي توجهها كما أرادت وفي النهاية سيصبح شباب اليوم قادة الغد اللذين يستخدمون في تكريس منظومة أفكار الدولة التي يتبنون منهجها الفكري ، أي أن النتيجة النهائية هي إعدام الهوية الحضارية والثقافة الجزائرية.

أخيرا، فإن النخبة المثقفة الجزائرية يمكنها أن تدفع بالمجتمع للتقدم ومنافسة بقية الحضارات، عبر خلق نوع من الإبداع والإنتاجية في مختلف المجالات، لجعل المجتمع الجزائري قادرا على التكيف مع الواقع بدلا من النزعة الصراعية الماضوية التي يعيشها ثم جعله قاعدة فكرية وصناعية بارزة حاله حال بقية الحضارات، لكن الإشكال الأبرز يبقى في عمالة الكثيرين ممن يشكلون نخبة إلى دول أخرى لأجل خدمة مصالحهم الضيقة المالية تاركين الهوية الجزائرية للفناء، فالمثقفون هم الدعامة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات للدخول في الصراع أو الحوار الحضاري، وإذا لم يوجد مثقفون لهم توجهات وطنية قومية خالصة فلن تستطيع المجتمعات إلا أن تبقى أسيرة التبعية الفكرية والصناعية للآخر.



حول هذه القصة

أصيب تسعة واعتقل 277 شخصا بمظاهرات شهدتها العاصمة الأرمينية، ومن بين المعتقلين زعيم المعارضة. وتشهد البلاد منذ أسبوع احتجاجات على تعيين الرئيس السابق سيرج سركيسيان رئيسا للوزراء بعد فترتين رئاسيتين.

23/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة