جدلية التلازم بين الإسلام والإسلاميين

بعد سقوط آخر خلافة إسلامية كان المسلمون يستظلون في ظلها (الخلافة العثمانية) مع ما كانت تعانيه من ضعف وهوان بسبب المشاكل الداخلية وسوء الإدارة وتكالب الأعداء عليها وإثارة النعرات الطائفية في أطرافها وأقاليمها بسبب توسع رقعتها وظهور الشيخوخة على نظامها في آخر أيامها مما أدى إلى سقوطها وأفول نجمها وتشتت مملكتها وتقاسهم إرثها بين أعدائها، وأصبحت أثرا بعد عين. وبعد هذه الصحابة السوداء التي أطبقت على سماء الأمة الإسلامية وظهور أصوات تنادي بإبعاد الشريعة عن مراكز التأثير وحصرها في مجال العبادة الفردية وعدم السماح لها ألا تتجاوز في دور العبادة ولا يكون لها كلمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 

إثر هذه المصيبة الكبيرة التي حلت بالمسلمين وبروز أصوات ودعوات ناشزة تمس على ثوابت الأمة وعقيدها وما صاحبها من جلبة وتشويش ممنهج لا يراعي مشاعر المسلمين وخصوصياتهم، هذا التصرف المشين أشعل نار الغيرة والحماس في قلوب عدد غير قليل من المسلمين من أجل العمل لإعادة كيان ونظام يجمع الأمة في مظلة واحدة ويحفظ لها دنيها ودنياها ويعيد لها مجدها ومكانتها في دنيا الناس، ولأجل تحقيق ذلك الهدف النبيل تأسست حركات وجماعات تستمد مرجعيتها من الكتاب والسنة وتنادي العودة إلى ما كان عليه الناس في زمن الرسالة والنبوة والخلافة الراشدة، وهذه الحركات لا تتلقى الدعم والتأييد من الحكومات القطرية والوظيفية التي تأسست بعد سقوط خلافة بني عثمان، بل أصبحت هذه الدويلات الجديدة حجر عثرة أمام كل مشروع ينادي العودة إلى الإسلام الصحيح وإعماله في جميع مجالات الحياة من دون تفريق.

يعتقد كثير من المسلمين بأن الإسلامي شخص نبيل يسعى إلى إفادة الأمة وانتشالها من مستنقع الفساد والتأخر العلمي والاجتماعي الذي تعاني منه

وهذه الجماعات والحركات التي برزت إلى العلن بعد هذه الكارثة تنتمي إلى مدارس فكرية وفقهية متنوعة تنتهج بأساليب ووسائل مختلفة وتهتم جانبا معينا من الإصلاح من غير أن تهمل مبدأ شمولية الإسلام وإحاطته في كل صغيرة وكبيرة، ولكن كثرة أنواع الأمراض التي تعاني منها الأمة لا يمكن لجهة أو جماعة واحدة مهما أوتي من قوة ومكانة علمية وأدبية أن تنفرد بالإصلاح والتوجيه، بل يجب على الأمة جميعها أن تساهم في العلاج كل على قدره وطاقته. وبعد ظهور هذه الحركات وانتشارها في العالم الإسلامي طولا وعرضا واجتذابها بأعداد كثيرة من الناس غالبيتهم من الشباب، ظهر إلى العلن مصطلح الإسلام السياسي والإسلاميون، وهو مصلح أطلقه وأشاعه بين الناس الإعلام العالمي بشقيه الغربي والشرقي من أجل تشويه صورة الحركات الإسلامية وتنفير الناس منها.

وقد روج الإعلام الوظيفي بأن الإسلامي إنسان مخادع يسعى إلى تحقيق مآرب شخصية وحزبية ومتعطش إلى السيطرة وإحكام القبضة التامة على مفاصل الدولة الحديثة وممارسة الدكتاتورية بأبشع صورها، وكتم أنفاس الناس، وحملهم على التدين الإجباري وحرمانهم من أبسط حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل الوصول إلى غايته المنشودة يستخدم الدين والغيرة عليه من أجل جذب انتباه الدهماء من الناس إلى صفوفهم، لأن استغفالهم باسم الإسلام أمر في غاية اليسر والسهولة.

وفي المقابل يعتقد كثير من المسلمين بأن الإسلامي شخص نبيل يسعى إلى إفادة الأمة وانتشالها من مستنقع الفساد والتأخر العلمي والاجتماعي الذي تعاني منه، ويحاول تمكينها من أجل مواكبة التطور الحضاري مع الحفاظ على هويتها وإعلاء دينها ومبادئها، ونشر الفضيلة والقيم في كل الأصعدة، وممارسة الحكم الرشيد على أرض الواقع حتي تستعيد الأمة مكانها الصحيح بين شعوب الأرض كلهم. ولأجل هذه النظرة المتباينة والمتباعدة حول تفسير كلمة الإسلامي، ومغزاها الحقيقي، أحدث مصطلح الإسلامي التباسا وتشويشا بين الناس حيث راجت بين العامة بأن كلمتي الإسلام والإسلاميين متلازمتان لا تنفك بعضهما عن بعض، فإذا اجتمعا افترقا وإن افترقا اجتمعا، حتى قال البعض: فإذا رأيت الإسلام فالإسلامي معه، وإن رأيت الإسلامي فالإسلام في جلبابه وردائه، وهما وجهان لعملة واحدة.

قلت: هذا الكلام فيه مغالطة كبيرة ومجازف عن الحقيقة ومخالف للنصوص الشرعية، وهو مبني على فهم خاطئ لا يستند إلى منقول ولا معقول بل يعتمد على توهم يحول المظاهر إلى حقائق لا وجود لها، لأن الإسلام دين رباني ارتضاه الله تعال لعباده وربط الفوز بانتسابه، وأقام سوق الآخرة بجزاء من انتظم في سلكه، فأحكامه معصومة، واتباعه منصورون، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لم يسبقه تبديل ولا يلحقه تحريف، آياته محفوظة، آدابه مسنونة، من تمسك به هدي، ومن تعلق به كُفي، ومن انتصر به نُصر، فلا تضل به الأهواء، ولا تحتار به العقول، دلائله واضحات بينات، ومعجزاته باهرات مقنعات، تعلوه الحلاوة، وتقوده الحكمة والرحمة، جدوره ممتدة إلى الملكوت الأعلى، فهو حاكم على كل شيء وليس محكوما عليه، والناس يتساون بين يديه فلا طبقية ولا عنصرية في أحكامه وواجباته، يعلى المثل الكريمة، ويرفع الفضيلة، ويدعو إلى المحبة والوئام، وينشر الخير بين الناس، فهو صالح لكل زمان ومكان، فلا يتغير بتغير الأحوال والعوائد والأعراف، ولا يطاله العجز بتقادم الزمان، تسري أوامره على الجميع من دون تفريق، فمن حكم به عدل، ومن طلب به الشفاء شفي، فبه تحقق الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة، وغير ذلك من الأوصاف والمحامد التي لا بمكن حصرها وتعدادها في هذه العجالة.

الإسلامي ليس ناطقا رسميا باسم الإسلام ولا نائبا عن تنفيذ أحكامه وشرائعه، فليس مكلفا بمراقبة الناس ومحاسبتهم وتتبع عثراتهم، ولا تصبح أراؤه واجتهاداته حكما على الإسلام
 

وأما الإسلامي فهو إنسان آمن بالله واليوم الآخر ويحاول الاقتداء بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وتطبيق أحكام الإسلام على نفسه بقدر المستطاع، ليس ملكا ولا معصوما من الخطأ بل هو بشر يصيب ويخطئ، يحمل في جنباته الخير والشر، والحسن والقبح، والطاعة والمعصية، فأيما غلب عليه يكون من أهله، يكثر الطاعات والصلوات وفعال الخير في وقت من الأوقات فيرتفع إيمانه ويصفو قلبه ويحسن عمله، فينطق بالحكمة ويقود الناس إلى الخير والفضيلة، فيضع بصماته في مواطن العطاء، وتنتشر بذور حسناته في كل مكان، فيذكره الناس بالخير، وقد يزيغ قلبه فتصيبه غفلة وتسطير عليه نفسه الأمارة بالسوء فتزل قدمه ويقترف الذنوب والسيئات، وقد يتجاوز الحدود ويفعل الأفاعيل ويرتكب الموبقات ويظلم الناس ويأكل أموالهم بغير حق، مع التظاهر بالتدين والخلق الجميل، ولكنه يعود إلى رشده ويتصالح مع ربه ومولاه ويجدد التوبة ويكثر الاستغفار وينوع الطاعات ويعيد المظالم إلى أهلها .

فالإسلامي ليس ناطقا رسميا باسم الإسلام ولا نائبا عن تنفيذ أحكامه وشرائعه، فليس مكلفا بمراقبة الناس ومحاسبتهم وتتبع عثراتهم، ولا تصبح أراؤه واجتهاداته حكما على الإسلام، فلا يملك التحليل والتحريم، والنهي والإيجاب، بل تابع لأوامر الإسلام وتوجيهاته، فأخطاؤه لا تنسب إلى الإسلام ولا يحاسب عليه، وما يقوم به الإسلامي من تصرفات غير سوية لا يحمل على الإسلام ولا يحاكم عليه بل يتحمله من قام به فقط دون الدين الذي ينتمي إليه.

وأخيرا فمن خلال هذه الأسطر القليلة السابقة يتبين لنا بأن الإسلام والإسلاميين كلمتان لا تلازم بينهما ولا ترابط في مدلولهما إلا بحدود الشرع ووشائجه الكثيرة، وليستا وجهان لعملة واحدة، فالإسلام منهج إلهي تكفل الله بحفظه ورعايته وديموميته وصلاحه لكل زمان ومكان إلى اليوم الآخر، وأما الإسلامي فهو عبد ضعيف فقير إلى ربه، يجب عليه أن يقر العبودية الكاملة لمنعمه الأعلى.



حول هذه القصة

قال المكتب الإعلامي لوزارة خارجية حكومة الوفاق الوطني الليبية إن القنصلية العامة التونسية استأنفت عملها بالعاصمة طرابلس بطاقم دبلوماسي مكون من القنصل العام توفيق القاسمي وثمانية موظفين.

22/4/2018

قال الرئيس التركي إن السلاح الذي لم تستطع أنقرة شراءه بأموالها قدمته واشنطن مجانا للوحدات الكردية وحزب العمال الكردستاني بشمالي سوريا “مما يعني أن التهديد يأتينا أولا من شريكنا الإستراتيجي”.

22/4/2018

مرّت سنة على تعيين الحكومة المغربية التي يقودها الإسلاميون للمرة الثانية، وتتجه الأنظار إلى هذه التجربة التي لا تزال مستمرة بالمغرب على الرغم من تراجع التيار الإسلامي بعدد من الدول.

6/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة