تموز القادم هو الأشد حرارة سياسياً

لا يختلف اثنان أن شهر تموز هو أحد أكثر شهور السنة ارتفاعاً في درجات الحرارة، ولكن الجديد أنه سيكون أشدها حرارة على المستوى السياسي والعسكري في المنطقة، لا يسعفنا فيه الهروب إلى الشاطئ حيث تتلاطم أمواج الشرق والغرب وتكون فيه سوريا والعراق ملعباً يستضيف الفرق المتنازعة في مونديال الشرق الأوسط على غرار مونديال كوريا واليابان وبعد مونديال روسيا بالتأكيد مع وضع ثلاثة خطوط حمراء تحت (مونديال روسيا).

من يعتقد أن البوارج والمدمرات والطائرات الأمريكية والأوروبية التي تم تحشيدها في المنطقة جاءت من أجل إطلاق ١١٠ صواريخ أو ضربة تستغرق ٥٠ دقيقة لمواقع نظام الأسد فهو واهم، فالضربة أشبه بالـ (الدكة) العشائرية المعروفة في العراق والتي غالباً ما يأتي بعدها (عطوة) وهي إعطاء الشخص المطلوب فترة ليقر بذنبه وتتم محاسبه عشائرياً كما تقتضي الأعراف، الضربة آتت أُكلها وأيقن نظام الأسد أنه في مرمى الغرب إن لم ينفذ ما طلب منه بوساطة الروس.

السؤال المهم الآن هو: ماذا سيترتب على هذه الضربة وماذا سيحدث بعدها؟ الإجابة على هذا السؤال ستكون بناءً على معلومات مؤكدة لا علاقة لها بالتحليل وما ينشره المحللون، فحتى هذه اللحظة سيكون شهر تموز القادم هو موعد انطلاق مونديال الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران وميليشياتها من جهة أخرى وباتفاق جميع الأطراف ولأسباب عديدة منها ما أرادته إسرائيل بأن يكون رداً على حزب الله وما فعله في تموز ٢٠٠٦ على اعتبار أن مواقع حزب الله ستكون ضمن قائمة الأهداف إذا ما تم استهداف إيران لأنه الذراع الإيراني الأبرز في المنطقة وكما عودتنا إسرائيل على اقتناص مثل هذه الفرص لرد اعتبارها.

الإدارة الأمريكية حتى هذه اللحظة غير مقتنعة تماماً بإجراء الانتخابات العراقية وجدواها كونها ستعيد نفس الوجوه الموالية لإيران إلى السلطة

كما سيشهد شهر مايو / آيار القادم حدثاً مهما يتمثل بإعلان دونالد ترمب موقفه من الاتفاق النووي الإيراني والذي على الأرجح سيتم إلغائه ليدخل النظام الإيراني في مشاكل اقتصادية تصاحبها انهيار العملة وبالتالي تهيأة الأجواء المناسبة لتأجيج الداخل الإيراني وزعزعة الأمن فيه، إما موقف الاتحاد الاوروبي من إلغاء الاتفاق النووي فهو حتى قبل أيام كان غير محسوم بسبب عقود النفط بين دول الاتحاد والنظام الإيراني ولكن بعد جولة محمد بن سلمان الأخيرة تم حسم الموضوع على أن يتم تعويض السوق بالنفط السعودي وكذلك النفط العراقي أيضاً، لأنه وقبل عدة أشهر وبتنسيق أمريكي زار العراق وفداً نفطياً سعودياً عالِ المستوى لغرض إعادة فتح أنبوب النفط الذي يربط بين العراق والسعودية والمغلق منذ عام ١٩٩١ والذي يصل إلى جدة ومنها إلى موانئ البحر الأحمر في إشارة إلى أن موانئ الخليج لن تكون آمنة بعد فترة.

الموقف الروسي كان حاضراً وبامتياز لإيصال رسائل لبشار الأسد مفادها ضرورة التخلي عن الدور الإيراني في سوريا وأن يخلي بين الأمريكان والإيرانيين على الأرض مقابل التعهد بحمايته لأنه لازال يعتبر صمام الأمان بالنسبة لإسرائيل ولا غنى عنه في الساحة السورية حالياً، وهذا ما يفسر تصريح الروس عن امكانية تقسيم سوريا وفدرلتها إلى أقاليم لأنه تم الاتفاق فعلياً مع بشار الأسد ورفعت الأقلام وجفت الصحف، ولم يكن مونديال روسيا ٢٠١٨ عن المفاوضات ببعيد فكان هذا أحد شروط الروس الذي سيدفع بالإحداث إلى شهر تموز القادم أي بعد المونديال مباشرة وهذا ما نوهنا إليه في بداية هذا المقال، وهنا بالضبط وبدهائهم السياسي استشعر الأتراك خطر الموقف وبادر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعلانه إجراء الانتخابات المبكرة في حزيران القادم لثبيت أركان الحكم عاجلاً في تركيا بعد الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي لأن ما بعد تموز لن يكون كما قبله ولن تسمح الإحداث حينها بإجراء هذه الانتخابات كما كان مقرراً لها في ٢٠١٩.

نأتي هنا إلى وضع الانتخابات العراقية المزمع إجرائها في مايو / آيار القادم، فالإدارة الأمريكية حتى هذه اللحظة غير مقتنعة تماماً بإجرائها وجدواها كونها ستعيد نفس الوجوه الموالية لإيران إلى السلطة وهو ما يعتبر طوق نجاة لملالي طهران على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري نظراً لوجود الميليشيات العقائدية التي تأتمر بأوامرٍ إيرانية بعيداً عن السلطة والحكومة العراقية، في الأسبوع القادم سينظر الكونغرس الأمريكي في موضوع إجراء الانتخابات العراقية في موعدها من عدمه وهذا ما سيجعلنا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:

 

إما أن يتم إلغاء الانتخابات وسحب صلاحيات الحكومة والدخول في فراغ دستوري مما يدعو إلى تشكيل حكومة طوارئ تم التحضير لها مسبقاً مؤلفة من ١٤ وزارة بعد تفاوض الولايات المتحدة مع عدد مع السياسيين العراقيين المعارضين للحكومة وللهيمنة الإيرانية على العراق وهذا وارد جداً، أو يتم إجراء الانتخابات في موعدها وهنا سيتم وضع العراق أمام اختبار كبير فإما أن يختار التحالف مع أمريكا ضد إيران أو العكس ولا مكان للنأي بالنفس في مثل هكذا صراعات، فأمريكا لازالت وصية على العراق رسمياً منذ الاحتلال، والعراق لم يحصل على كامل السيادة الوطنية كما أشاع نوري المالكي قبل سنوات لأغراض انتخابية وتحقيق مكاسب سياسية، وكذلك لأن إيران تسيطر على القرار الداخلي العراقي من خلال أذرعها الميليشياوية التي تخنق الحكومة وتسيطر على مفاصل الدولة ومؤسساتها.

إننا مقبلين على حرب مباشرة وصيف لاهب يكون فيه شهر تموز القادم هو الأشد حرارة سياسياً وقد يغير جميع موازين القوى في المنطقة
 
إجراء الانتخابات العراقية أصبح له علاقة بالتواجد العسكري السعودي في سوريا لأن السعودية اشترطت على الولايات المتحدة إجراء الانتخابات في موعدها مقابل تواجدها العسكري في سوريا وذلك لتأمين جبهتها الشرقية وعدم فتح جبهات أخرى بعد اليمن وسوريا وجاء هذا نتيجة التعهدات التي قدمها حيدر العبادي للسعوديين بأن العراق سيلتزم بسياسة النأي بالنفس عن الصراع الحاصل في المنطقة، ولكن جميع المؤشرات تشير إلى عدم امكانية حيدر العبادي من تنفيذ وعوده وتعهداته للسعودية لأن الإدارة الامريكية سبق وأن أعطت الأمان لحيدر العبادي من خلال حمايته أممياً لغرض الانقلاب على الحكومة الحالية وتشكيل حكومة طوارئ منذ أغسطس / آب الماضي ولكنه تعذر بأن الميليشيات التي تحكم مؤسسات الدولة أقوى منه وربما يتم اغتياله لذا أقنع السعوديين بأن يدعموا التوجه نحو الانتخابات مقابل ضمانات اقتصادية ولعبه دور الوسيط بينهم وبين الإيرانيين لحل المشاكل العالقة في اليمن على الرغم من أنه لا يستطيع حل مشاكله بنفسه وهذا ما يعتبر إخفاق جديد لسلسة إخفاقات مستشاري محمد بن سلمان الذين وصفتهم إدارة البيت الأبيض بأنهم "مراهقو سياسة".

الولايات المتحدة تريد حل الموضوع السوري والعراقي دفعة واحدة بعدة قرارات يتم استصدارها كحزمة واحدة تم الترتيب لها من خلال مؤسسات تحدد السياسات الأمريكية تجاه كل من سوريا والعراق وهذا ما نوه إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عندما صرح بأن هناك مساعٍ جادة لإعادة هيكلة المنطقة انطلاقاً من سوريا والعراق.

في كلتا الحالتين سواء جرت الانتخابات العراقية في موعدها أم لم تجرِ فإن الولايات المتحدة عازمة على تغيير الوضع في العراق بشكل كبير ومتيقنة تماماً بأن قياداته الحالية لا يمكن أن تخرج من العباءة الإيرانية نظراً لتبعية ميليشياتها للقرار الإيراني، فالمليشيات العراقية حالها كحال حزب الله في لبنان والحوثي في اليمن الذين رعتهم إيران من أجل هذه اللحظة. هنا لا يسعنا إلا أن نقول بأننا مقبلين على حرب مباشرة وصيف لاهب يكون فيه شهر تموز القادم هو الأشد حرارة سياسياً وقد يغير جميع موازين القوى في المنطقة ويجعلنا عندما يذكر أحدهم اسم الشرق الأوسط أمامنا نسأل، هل تقصد قبل أو بعد؟



حول هذه القصة

قال مراسل الجزيرة إن قوات كبيرة من جيش الاحتلال الاسرائيلي اقتحمت مدينة جنين شمال الضفة الغربية، وتحاصر منزل الأسير أحمد جمال القنبع (٢٨ عاما) في حي البساتين وسط المدينة.

24/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة