المصالحة وحكومة التوافق.. مسار الإنقاذ

ما زالت المصالحة الفلسطينية ونتيجتها الوحيدة "حكومة التوافق" تعيش في غرفة العناية المركزة حيث تعاني من موت سريري، بينما يرفض جميع الأطراف الإعلان عن هذا الموت خشية تحمل نتائج هذه الكارثة الوطنية على الشعب الفلسطيني المتشبث بالأمل الأخير، حيث ما زال رغم كل ما ألم به يرى من خلال ذلك ضوء في نهاية نفق طال فيه المسير، وقد منحها قرار حماس إلغاء اللجنة الإدارية وتمكين حكومة التوافق مؤخراً قبلة الحياة.

 

ولكن نظرة سريعة على المصالحة وحكومة التوافق في غرفة العناية المركزة فإننا نرى عدم تقدم في عافية المصالحة وانقطاع الدم عن شرايينها، فبنود المصالحة بعد حكومة التوافق مجمّدة، ولعل الرئيس عباس في المرحلة الماضية مسئولاً شخصياً عن هذا التجميد ووقف ضخ الدماء في شرايين المصالحة وبارقة الأمل تتجدد بعد إعلان القاهرة الأخير من حماس.

 
ويمكن باختصار قراءة موقف الرئيس عباس الذي لم يتغير أبداً حيث موقفه من حماس لا ينطلق من زاوية الشريك الوطني، بل يحمل لحماس موقف عدائي متزايد، خاصة وهو يرى بيئة إقليمية تعمل ضد التيار الإسلامي وفي الصدارة منه "حماس" ويرى نفسه جزءاً من هذه المنظومة الإقليمية التي تعلي صوتها وسوطها في مواجهة ما يسمونه "الإسلام السياسي"، وهو يرى أن بوابة حماس لهذا الإقليم المعادي لها يمر عبر السلطة الوطنية وعلى رأسها الرئيس عباس، لذا فإن موقف عباس مرحب به وهذا ما يشجعه ويشعره باستقرار وهو يجمد المصالحة علناً لتمسك عنيد بشروطه للمصالحة، وهذا ما تردد علناً في المرحلة الأخيرة. ومن هنا فإن عباس خاض معركة عض أصابع لتجيير اتفاق المصالحة وحكومة التوافق خدمة لرؤية عباس السياسية.
 

مستقبل حكومة التوافق سيكون الحكم على مستقبل المصالحة والمشروع الوطني الفلسطيني برمته، وهنا تكمن خطورة مستقبل حكومة التوافق، لذا لا بد من ضخ دماء في شرايين هذه الحكومة

وللأسف من يدفع ثمن معركة "عض الأصابع" هذه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة عبر ضغوط حصار يتزايد ويغدو منظومة عمل دولية وفق آلية (حصار دولية)، والثمن الكبير لهذا العناد يدفعه أصحاب البيوت المدمرة فيما يسمى "ملف الاعمار" والموظفين فيما يعرف "ملف الرواتب". والشعب الفلسطيني بأسره في غزة وهو في سجن كبير تضرب حوله المناطق العازلة اسمه " الحصار الدائم" وإغلاق "معبر رفح" وكافة المعابر المستمر، ولا عزاء لهم ولا بواكي عليهم.
   
هذا عدا عن اهتزاز الحالة السياسية في غزة بشكل عام خاصة في ظل حالة الإقليم المرتبك والمربك، وما نجم عن ذلك من فراغ أمني، واضطراب اجتماعي، وما قد ينتج عنه من فوضى صعبة وتدخلات خارجية، وفي ظل هذا المشهد القائم الراي العام الفلسطيني يزداد نفوراً من مجموع الفصائل وبرامجها ويُصاب بحالة إحباط ويأس يساهم في تعطيل السير قُدماً في تحرير فلسطين وتترك الميدان كاملاً للاحتلال ليكمل مشاريعه وعلى رأسها تهويد القدس وتقسيم المسجد الأقصى.
 
إن حكومة التوافق أحد أول مخرجات اتفاق المصالحة حيث لم يولد غيرها بعد ذلك إلى الآن، وقد اكتسبت أهميتها من ذلك، ومن جسامة الأحداث المتتابعة التي تضع حكومة التوافق أمام مسئوليات جسيمة وتحديات خطرة، وحيث أن حكومة التوافق لم تنل شرعية الثقة أمام التشريعي (حيث كان مقرراً ذلك بعد شهر من تشكيلها) مما شكّل نقطة ضعف قانونية كبيرة لها، إلا أنها تمتعت بشرعية عالية باتفاق المصالحة، وتعززت الشرعية لحكومة التوافق بإعلان حماس تمكين حكومة التوافق ودخولها يوم 02/10/2017م غزة دخول الفاتحين، وهذه الشرعية المستمدة من ثقة التشريعي كانت لحكومة هنية مما لا يسمح للطعن بشرعية موظفيها.
 
خاصة أن هناك موظفين لحكومتي فياض والحمد الله يزيد عددهم ومداخل الطعن في شرعيتهم أكبر باعتبار أن أي منهما لم ينل ثقة التشريعي. (وهذا يضع علامة استفهام كبيرة على طريقة التعاطي مع ملف الموظفين في غزة باعتباره ملف سياسي يحقق الابتزاز المقصود).
   

 

ومستقبل حكومة التوافق سيكون الحكم على مستقبل المصالحة والمشروع الوطني الفلسطيني برمته، وهنا تكمن خطورة مستقبل حكومة التوافق، لذا لا بد من ضخ دماء في شرايين هذه الحكومة، ومنطلق ذلك الرئيس عباس شخصياً ودوره الوطني في المضي قدماً في دعم وإسناد حكومة التوافق لتؤدي دورها ومن ثم استكمال مشروع المصالحة وعلى رأس ذلك إجراء الانتخابات وتنظيمها كآلية وصول إلى أجسام تمثيلية منتخبة، وعدم الوصول بين أطراف المصالحة إلى استراتيجية نزع الشرعيات سواء قانونياً بالتشريعي أو شعبياً بالتعبئة للرأي العام عبر الخطاب الإعلامي التوتيري والانقسامي.
 
إن الإيمان بالشراكة السياسية الحقيقة والتداول السلمي للسلطة بشكل ديمقراطي حضاري وعدم اعتماد الإقصاء منهجية عمل يعتبر المدخل الاستراتيجي لتحقيق مصالحة حقيقية وجادّة وما يترتب على ذلك من استقرار حكومة التوافق كمرحلة انتقالية، وتفعيل السلطة التشريعية ومنحها الثقة كجهة تشريعية ورقابية باعتبارها الجسم الوحيد المنتخب لحين إجراء انتخابات جديدة كخطوة رئيسة لتحقيق حلم المصالحة بأسرع وقت ممكن عبر استقرار انتخابي وتداول سلمي للسلطة.
 
ومن عوامل الاستقرار والمضي قُدماً في المصالحة ومشروعها الوطني تعضيد القضاء ومنحه ثقة عبر تحقيق العدالة ومنح القانون السيادة العليا مما يخفف من الاحتقان الحزبي، ومواكبة ذلك بإسناد إقليمي ودولي لمشروع مصالحة حقيقي عبر التأثير على أطراف إقليمية ودولية نظرتها للخصوصية الفلسطينية متوازنة وموضوعية ويمكن أن تساهم في تطويرها بالاتجاه الإيجابي سياسياً ومالياً ونفسياً. كما تعتبر الشراكة الشعبية مدخلاً رئيساً لاستمرار مشروع المصالحة قدماً إلى الأمام وذلك بتشكيل جسم وطني محايد يقوم بدور رقابي ضامن لتنفيذ بنود المصالحة بأمانة ودقة والإشارة بأُصبع الاتهام لجهة الخرق المحتمل، فضلاً عن الدور المصري، وكذا أن يكون هذا الجسم الوطني بوابة المعلومة الحقيقية الدائمة لجماهير الشعب الفلسطيني بعيداً عن الحساسيات الحزبية والسجالات الإعلامية.



حول هذه القصة

وصف القيادي بحركة حماس محمود الزهار محاولة تفجير موكب رئيس حكومة الوفاق الفلسطيني الحمد الله بغزة بالمسرحية التي “لن تنطلي على أحد”، بينما اتهمت حماس والسلطة إسرائيل بالوقوف وراء الهجوم.

14/3/2018

أكدت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين بالضفة تكثيف أجهزة السلطة اعتقالاتها بحق كوادر حماس، وذلك ضمن حملة مستمرة منذ أيام. من جهتها طالبت حماس بوقف الاعتقالات والمحافظة على مسيرة المصالحة.

26/3/2018

تواجه الساحة الفلسطينية تحديات جديدة تهدد بنسف جهود المصالحة، وذلك على خلفية اتهام الرئيس الفلسطيني محمود عباس حركة حماس بالوقوف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء رامي الحمد الله بغزة.

20/3/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة