الشعب السوري المهجّر.. نحو التوطين أم العودة؟

قد لا يكون الحديث اليوم عن الصراع السياسي في سوريا كما كان في الأمس، بل باتت الأمور تميل بشكل لافت الى مصير الصراع الأهلي الذي شرّد ملايين السوريين عن بلدهم ووضعهم في خانة اللجوء في بلاد مجاورة وأخرى بعيدة. إذ بات ملف اللاجئين يشكل عبئاً على الدول المضيفة المثقولة بالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتي بدأت تبحث في سبل حل لعودة اللاجئين، خاصة بعد التوجهات الدولية لـ"توطين اللاجئين"، كما حديث بعض الخبراء والمراقبين عن أن 10 بالمئة من السوريين فقط لديهم نية العودة ما بعد الأزمة، ما يستدعي السؤال الرائج: ما هي محفزات العودة في هذا الواقع الحالي؟

إننا إذا بحثنا في تاريخ سوريا الحديث ما بعد الاستقلال، وجدنا أنه بلد هش سياسياً لطالما وقعت فيه الانقلابات العسكرية والتخبطات الأيديولوجية، فكان حدث الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958 اتفاقاً كارثيا باتفاق كل السوريين، إذ حُلت حينها كل الأحزاب وخنقت كل الحريات وانطفأت المنابر الإعلامية في وقت تغنّت الدول المجاورة بمطابعها وجرائدها التي كانت تصل أحداها يوميا إلى مكتب الرئيس عبد الناصر في مصر عبر الطائرة.

 

أما في الستينات، فقد وقع فوق العشر انقلابات في الجمهورية السورية إذ لم يتوحد المجتمع على قضية واحدة تجمعه بل تشتت بفعل الاعتقالات والأحداث الدموية التي عصفت هذا البلد الذي كان شهد كل سنة انقلابا أو أكثر. وحتى مع تسلق الرئيس حافظ الأسد السلطة سنة 1970، فلم يشهد هذا البلد ازدهارا يذكر حتى نهاية القرن العشرين، إذ كان الأسد قومي-يساري التوجه حاضر دائما بالملفات الإقليمية التي دائما ما كانت تحبس أنفاس السوريين إن كان بصراعه مع الإسرائيليين ومنظمة التحرير الفلسطينية أو مع الفصائل اليمينية واليسارية في لبنان والجوار، حتى استلام ابنه الرئيس بشار الأسد السلطة الذي فتح أبوابا من الحريات كانت مقفلة لعقود ولكن سرعان ما أغلقها (2007) واشتعلت بعدها بـ 4 سنوات حرب أهلية طاحنة ما زالت مستمرة حتى اليوم.

 

ما يفرّق السوريين هو الاجتماع على قضية وأيديولوجيا تبرر استمرارية وجودهم، فما بين توجهات قومية وأخرى إسلامية، فان المشهد ما زال غامضاً ويعكس حالة من اللا تشابه بين الأفرقاء

قد تستدعي تلك الأحداث مقارنة دقيقة بين لبنان وسوريا، البلدين الشقيقين اللذين وقعا كلاهما في حرب أهلية، ولكن الفارق بينهما أن لبنان مر بمراحل ازدهار واسعة منذ استقلاله، إن كان سياسيا أو اقتصاديا قبل اشتعال الحرب سنة 1975، فقد توحد اللبنانيون على رجلا الاستقلال الراحلين بشارة الخوري ورياض الصلح ثم بعد ذلك على الرئيس الراحل فؤاد شهاب حيث شهد ما يعرف بـ"العصر الشهابي" على مرحلة ازدهار واسعة بشقيها الاقتصادي والسياسي، كلها كانت "نوستالجيا" راسخة في عقول اللبنانيين أثناء الحرب، والتي كانت دائما ما تستهويهم إلى وقف هذا الاقتتال الداخلي والعودة إلى السلام الذي يؤمّن وئامهم وازدهار بلدهم.

 

إضافة أن لبنان يقوم حتى اليوم على ميثاق وطني يجمع طائفتين رئيسيتين "مناصفة" يمثل كل منهما الحضارتين الشرقية والغربية، ما جعلت لهذا البلد عقيدة تبرر وجوده وكيانه الثقافي يقوم على مبدأ العيش المشترك بين أطيافه المختلفة، كلها كانت موانع ودوافع لوقف الاقتتال الداخلي كما سببا لازدهار أو اتحاد هذا البلد في فترات مختلفة.

في النهاية، إن ما يجمع الشعب السوري سمات مهمة قد تغيب عن بعض الدول العظمى، ألا وهما: تجانس العرق ووحدة التاريخ، هذا التاريخ الممتد لآلاف السنين حينما كانت هذه المنطقة في قلب العالم القديم توازي بعراقتها إنجازات الحضارات الحديثة التي تعاقبت عليها. أما ما يفرّق السوريين كما هو واضح فهو الاجتماع على قضية وأيديولوجيا تبرر استمرارية وجودهم، فما بين توجهات قومية وأخرى إسلامية، فان المشهد ما زال غامضاً ويعكس حالة من اللا تشابه بين الأفرقاء، وحتى الالتقاء على مبدأ واحد جمعهم في الماضي عدا فكرة وحدة الأرض والجغرافيا. قد يعود السبب إلى تاريخ استقلال الشعب السوري، الذي لم يجد إلى اليوم حقبة مزدهرة يفرّغ فيه مآسيه الحالية، فهل من دوافع للعودة. وأي دينامية تعيد هذه الشعوب إلى وطنها؟



حول هذه القصة

استشهد فلسطينيان بقطاع غزة متأثرين بجراح أصيبا بها برصاص إسرائيلي أثناء مشاركتهما بمسيرات العودة، واستشهد ثالث بحادث عرضي شمال القطاع. واعتقل الاحتلال 31 فلسطينيا من أنحاء مختلفة من الضفة الغربية.

23/4/2018

يتوجب على الطفل تشان قضاء ساعتين يوميا لنسخ رموز صينية جديدة، فما من طريقة أخرى لحفظ المفردات الصينية التي تتجاوز الخمسين ألفا، ومع ذلك يبدو هذا الجيل محظوظا مقارنة بسابقيه.

23/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة