السودان.. وطن الصفوف

لك أن تتخيل حجم المأساة عزيزي القارئ، في بلد لا شيء فيها يجدي أكثر من الوقوف في الصفوف، صف البنزين، صف الرغيف، صف في الصراف الآلي، صف في المواصلات العامة، وربما صف في الجحيم أيضاً. لا يوجد إنجاز يضاهي حصولك على مقعد في الحافلة، أو حصولك على بضع جنيهات من أموالك الموجودة في البنوك، هناك أزمة، وهذا حقيقي ومُعاش. أذكر جيداً اليوم التي تساوت فيه قطعة الخبز مع العملة المحلية، قطعة خبز واحدة بجنيه واحد، حتى أن الناس في مواقع التواصل الاجتماعي استبدلوا العملة بالرغيف، فيقول لك أحدهم مثلاً أن تعرفة الدواء تساوي "100 عيشة" أو أن فاتورة الكهرباء قد تصل لـ "250 عيشة" في الشهر.

 

أنت هنا تقرأ تدوينتي هذه، وربما تتعاطف معي أو تتذمر، كل الاحتمالات واردة، وأنا أكتب لك من مكتبي بعد أن عانيت ما عانيت حتى وصلت، ودفعت ثمن تذكرة المواصلات مضاعفة، ربما تقول لي أن العالم العربي كله يعاني من الأزمات، ربما تخبرني عن أزمة الخبز في الأردن، وأزمات أخرى في مصر، وتمطرني بأمثلة لا متناهية عن الأزمات في البلدان المتحضرة وتعقد المقارنات والاحتجاجات الناجحة الناجعة التي قام بها المواطنون. ولكن أحب أن أقول لك أن هذا لن يغير من واقع الحال شيئاً.

 

نحن نتحدث، نحب الحديث كثيراً، نحب التواجد في المقاهي التي تجمع فئات مختلفة بأعمار مختلفة يتحدثون عن منشور فيسبوكيّ، أو تصريح سياسي، ولكننا لا نفعل شيئاً يذكر، متواجدون وبكثرة في الفضائات الإسفيرية نسُب ونلعن ونتذمر، وربما نخطط أيضاً.

 

هناك دائماً مستفيدون من هذه الأزمات، اللصوص، النشالون، أطفال الشمس، المتشردون، تجار السوق السوداء، التجار الذين يكنزون السلع لحين ارتفاعها، أصحاب الحافلات الخاصة، المستشفيات الخاصة

في ديسمبر من عام 2016 عندما أعلنت قوى المعارضة عصياناً مدنياً احتجاجاً على الزيادة المهولة في أسعار الدواء، تضامن الشعب بكل طوائفه آملاً بأن هذا الحراك قد يكون سبباً في تحسين الأوضاع، ولكن النتائج كانت غير مرضية كفاية، مازال الناس يعانون من الأسعار الخيالية للأدوية، هذا إن وجدت من الأساس، ومن هناك بدأت الخيبة الأولى.

وفي يناير من هذا العام وعندما خرج الشعب في مسيرة الخلاص الكبرى من كل فج عميق، مطالباً بحقوقه ومعترضاً مرة أخرى على القرارات الجائرة، لم يلقَ مبتغاه، بل واقتيد الناس زرافات ووحدانا إلى السجون، في آخر الأمر ارتضت الناس صفوف الرغيف مرغمة، وهنا كانت الخيبة الثانية.

 

يخدعون العالم ويقولون أن الأزمة عابرة، وأن غاز الطهي متوفر، وأنت أيها القارئ العربي ربما يصيبك الدوار من هذه التصريحات المتباينة من الجهات المسؤولة وتصريحات أخرى من المواطنين، سأخبرك الحقيقة، غاز الطهي موجود، ولكن كم سعره؟ هنا تكمن الأزمة الحقيقية، ما فائدة وجود السلع في السوق إن كنت غير قادر على شرائها؟ ما الفائدة حقاً؟

 

والآن دعونا ننظر إلى الأمور في الجهة المقابلة، هناك دائماً مستفيدون من هذه الأزمات، اللصوص، النشالون، أطفال الشمس، المتشردون، تجار السوق السوداء، التجار الذين يكنزون السلع لحين ارتفاعها، أصحاب الحافلات الخاصة، المستشفيات الخاصة، الجامعات التي تقبل طلاب الخارج بسعر الدولار، الشهادات العالمية التي تسعّر بالعملة الصعبة، المستشفيات الخاصة، شركات الدواء الخاصة، الجمارك، المتغربين في كل دول العالم، لأن أي عملة أصبحت تفوق الجنيه السوداني أضعافاً مضاعفة.
 
ومع كل هذا أصبحنا نتأقلم شيئاً فشيئاً مع وطن الصفوف هذا، وطن الطوابير اللامتناهية، الأزمات التي لا تعد ولا تحصى. أصبحنا نتعامل مع الصفوف وكأنها كما قال نزار قباني: أمرٌ من الله… مثل الصداع… ومثل الزكام… ومثل الجذام… ومثل الجرب.

 

هناك أسئلة مشروعة تطرح نفسها: هل هذه الخيبات عملت على تحجيم هذه الثورات من النهوض مجدداً؟ مع العلم أن سجناء هذه الثورات من الطلاب الجامعيين والمواطنيين تم الإفراج عنهم مؤخراً. هل أزمة المواصلات هذه ستستمر إلى أن يعتاد عليها الناس، أم أنهم سيخرجون متظاهرين من جديد؟ هل خارت قوى المواطنين؟ هل كتب علينا أن نعيش ونتأقلم في ظل الصفوف؟ هل ما زال من حقنا أن نحلم و نسعى لسودانٍ يسعنا ويسع الأجيال القادمة؟



حول هذه القصة

ما تزال إقالة وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور تُسيل كثيرا من الحبر في الصحف الورقية ومواقع التواصل الاجتماعي السودانية رغم مرور 48 ساعة على مغادرته منصبه.

22/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة