هاربٌ من الفشل.. نحو فشل آخر!

مدونات - رجل يمشي
في المساء، تبدأ أحاديث النفس بإعلان حضورها، ليبدأ صخب التفكير تجاه ما ينبغي أن نكون عليه، تجاه حاجتنا لتجاوز ما نمر به من فشل، نبدأ حينها بوضع الخطط، أو التأكيد على أهمية تنفيذ ما وضعناه مسبقا. ما الذي يحدث صباحا؟ تعود الحياة لمجراها، ونُعيد تكرار ذات الحال الذي نريد الخروج منه، ليستمر مسلسل الفشل بتصدره للمشهد. الأمر يشبه حال بينكي وبرين في سؤالهما اليومي حول سعيهما للسيطرة على العالم.
 

بالعيش في سلسلة الفشل تلك، والتي قد لا تعترف النفس بها صراحةً، فإنها -النفس- تتجه للبحث عمّا يواسيها، أو ينسيها آلامها بمخدر مؤقت، ترجو أنه دائم. حسنا، ما الذي قد يعزينا عن فشلنا؟ ربما أن أحدا ما، فلنسمه "يوسف" مثلا، في مكان ما أيضا، تربطنا به رابطة ما كذلك، هو لا يعلمها، فقد يكون مشهورا، لكننا رغم ذلك، نجعله متصلا بنا، ليصبح شكل العلاقة في حالة اندماج من طرف واحد. كما الحب من طرف واحد. تتحول حينها الانتصارات التي يقوم بها "يوسف" لتصبح بمثابة انتصارات نحرزها نحن، حتى حزنه وإحباطاته، فإننا نعيشها كاملةً، إننا نشعر به كما أنه نحن، نلقي بمشاعرنا، خارجنا، ليتلقى هو مسؤولية إسعادنا وإحباطنا.. هل يعلم هو بذلك؟ الإجابة هنا ليست ضرورية، بقدر ما يكفينا ذلك الحبل التخيليّ الذي مددناه.

 

ألا تنتظر الأمة صلاحا جديدا ليحرر أقصاها؟ وعُمَرَا آخر ليقيم فيها عدلا؟ يُستدعى النموذج التاريخي كثيرا، لا ليحرك فعلا، ولكن ليطهّر ذاتا تلقي بالمسؤولية على آخر

كثيرة هي المآرب التي نحتمي بها في سعينا للهروب من هزائمنا النفسية المتكررة، من إحباطاتنا، من مستقبلنا المجهول، وحاضرنا الممتلئ بما ينتزع من أعيننا النوم. نبحث عمّا يواسينا، حتى وإن تعلقنا بوهم، الحال يشبه انتظارنا لتلك اليد التي تمتلئ حنانا، والتي تمتد لتمسح دموعنا برفق، ماذا لو لم تأتِ؟ سنتعلق حينها بأي مواساة قد تنتشلنا من حزننا.. نعيش الحياة بتفاصيلها الواقعية، لكن، هناك حياة أخرى تقبع داخل النفس البشرية، برسمها لعالم بملامح أخرى، لتهوّن علينا ما نمر به من حزن وكدر، أو لتزيد همومنا كلما ابتعدت المسافة بين ما نريد وما نقوم به حقيقة.

 

تمد النفس خيوطها محاولة إيجاد ما يواسيها، فلا تقتصر حيلها على الارتباط بأشخاص، وإنما تمتد لتلتفّ حول حدث مستقبلي، الأمر يشبه بصورة قريبة، حال المرأة التي تعيش حياة مختنقة، فتنتظر فارسها، أو المحبط الذي ينتظر الجنة في عيون حبيبته. فلا فارس جاءها، ولا جنة أظلته. فالنفس تستدعي ما يسري في الأفق مما يوافق الهوى، حتى وإن كان وهما، لتتعلق به كرجاء منقذ، وتتشبث به كما الغريق الذي يتعلق بقشة في بحر مضطرب الأمواج. حسنا، ماذا لو كان المتخيَّل أساسا لإحباط جديد، إما أن نتعلق حينها بأمل آخر، وإن زائف، أو نلعن الحياة ومن عليها.

  

لا يمثل المستقبل فقط ركنا آمنا نلجأ إليه حين الهروب، حيث يمثل الماضي كذلك ملاذا محببا. ألا تنتظر الأمة صلاحا جديدا ليحرر أقصاها؟ وعُمَرَا آخر ليقيم فيها عدلا؟ يُستدعى النموذج التاريخي كثيرا، لا ليحرك فعلا، ولكن ليطهّر ذاتا تلقي بالمسؤولية على آخر لا يملك أي قدرة على التغيير الحقيقي المادي في الواقع الذي نعيشه.

  
لا يعدو التعلق بالمستقبل أو الماضي في حالات كتلك، سوى آلية للهروب من الواقع، أما التفكير الإنساني الذي يسعى للنظر تجاه المآلات وسياقاتها التاريخية فهو حال يمتد، امتداد الوجود البشري، لكن الحديث هنا عن الاتجاه، إلى أين يُدار، ولمَ؟ فربما يمثل هروبنا من الفشل عبر التعلق بوهم، مسيرة ممتدة، نحو فشل حتمي آخر.