شعار قسم مدونات

كيف تُعبِّد طريقك إلى جهنم

مدونات - رجل يمشي
نعم، إلى جهنم..
هذا ما يبدوا عليه العالم اليوم. أخبَرهم كثيرون في السابق عن طريق الجنة؛ لكن الجميع يتسابقون إلى جهنم. يُعبِّدون لهم طريقها التي طالما أغلقوها ومنعوها، ويضعون فيها الزينة والبخور وشيءً من الموسيقى الصاخبة التي تغلق الآذان عن صوت الأئمة والأذان اللذان كانا يوماً يصدحان أثناء تعبيد طريق الجنة. ينتقون أفخر أنواع "الزفتة" لتبدوا طريق جهنم جميلة. يدعون أبرع الشياطين في الترويج لجهنم حتى لا يبقى لطريق الجنة "زبائن". يضعون على جوانب طريقها ما طاب من لحومٍ مكشوفة وأكوابٍ مملؤة؛ وينسون ما في طريق الجنة من "نَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ". يستثمرون الأرباح التي جنوها يوماً من تعبيد طريق الجنة ليبنوا بها طريقاً إلى جهنم لا يشبه على الأرض شيء سوى صرح فرعون.

الجميع بدأوا يتهافتون لزيارة الطريق ما أن أُعلن عن افتتاحها. لم يخبروهم أبداً أنها طريق جهنم وأنها ستودي بهم إلى الهلاك. حتى أولئك الذين كانوا في السابق يدعون الناس إلى طريق الجنة ويحذرونهم من طريق جهنم لم ينبسوا ببنتِ شفةٍ يحذرون بها الناس من البلاء الذي يتربص بهم. كم من مرةٍ في الماضي أخبروهم أن طريق جهنم "حُفَّت بالشَّهوات"، وأن تجنب الوقوع بها من المنجيات. ألم يسجعوا بحرف التاء في خطبهم ومواعظهم بكلماتٍ من قبيل "شهوات مهلكات، وصفات منجيات" ليُطربوا الآذان بما يتحرك به اللسان؟ وكم حذروهم من الوقوع في الشبهات؟ وأن اجتناب الأمر إن وقع من القلب والعقل موقع الشبهة هو من باب استبراء المرء "لدينه وعرضه"، أي نجاته بهما وصيانته لهما. لم نعد نسمع تلك الصيحات والصدحات والشطحات!

يقول الفقيه علي الطنطاوي في كتابه "طريق الجنة وطريق النار": "يا إخوان.. إن الذي أريد أن اقوله لكم، هو أن تتبعوا حكم الشرع، ولو خالف ما عليه الناس، ولا تتبعوا الناس إذا خالفوا الشرع"

السيل أصبح جارفاً لكل من أراد أو لم يُرِد السير في الطريق المودي إلى جهنم. روجوا الطريق على أنه خيارٌ طال انتظاره، وأن السعيد من بذل الغالي والنفيس ليقطع تذكرةً تؤهله الدخول إلى طريق الهلاك؛ وأخفوا ما أخبرونا به سابقاً حين كانوا يدعون إلى طريق الجنة بأن "السعيد لَمَن جُنِّبَ الفتن" كما أخبرنا الرسول الصادق الطاهر الداعي إلى طريق الجنة والنجاة محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف. أصبح الناس يتسابقون للدخول إلى طريق الضلال، وأمسوا على قارعة الطريق لا يعلمون أحقاً قد وقعوا في الشبهات أم نجوا منها. ضبابيةٌ خلقتها أنظمةٌ تتقلب بفعل نيرانٍ أشعلتها، فتارةً دعت إلى طريق الجنة ولم تذهب فيها، وأخرى إلى طريق جهنم فلم يسبقهم إليها مِمَّن أصبح على ضلالتهم أحد.

ها قد اجتهدوا ولم يدّخروا سبيلاً يأخذونك فيه برحلة السعير. ستراهم يجلبون لك للطريق ما استطاعوا من مغرياتٍ تُنسيك أنك في درب الشيطان. ستسير بلا منطقٍ وأنت تراقب شيطاناً يقفز وآخر يعزف وأُخرى تغني وأُخريات يرقُصنْ وبعضهم يقدمون لك الضيافة الموبؤة. أمّا إذا ما ابتعدت عنهم وارتأيت السير في طريقٍ غير طريقهم الذي عبَّدوه لك فستجدهُ مُقفراً لا خدمات فيه تساعدك على المسير، وستعتقد أنك قد أخطأت حين اخترت طريقاً غير طريقهم. سيخلقون لك وهماً كبيراً من المتعة المحرمة في إطارٍ شرعيٍ مبررٍ يشوش إدراكك ويخلط عليك ما هو مباحٌ وما هو مرفوضٌ شرعاً ومجتمعاً. سيربكونك ويبعثرون أوراق حياتك ويفسدونها عليك. فما العمل؟

يقول الفقيه والأديب علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه "طريق الجنة وطريق النار": "يا إخوان.. إن الذي أريد أن اقوله لكم، هو أن تتبعوا حكم الشرع، ولو خالف ما عليه الناس، ولا تتبعوا الناس إذا خالفوا الشرع" إياك وأن تسير كالبهائم لا ترى إلا الشعير. هذا ما أرادوا لك فلا ترتضيه لنفسك. كما حاربوك بالشيطان حاربهم بالإيمان. كن ما تطمح أن تعتلي ولا تكن بعيراً لِمن أراد أن يمتطي. إبتعد عن طريقهم ليكون بهم موحشا، ولا تتهافت عليه فيظنون أنهم قد أسدوا لك خدمةً بأن سمحوا لك بعد طول حرمان السير في طريق الشيطان. سِر في درب الأيمان، فليس بنهاية طريق جهنم جِنان.