الطريق إلى الدِّنْدِر!

أغنى أكبر أقدم!
شبكة من المجاري المائية في ولاية سنار التي يخترقها النيل الأزرق الدفّاق على مدار السنة يسندها نهران موسميان ثائران هما الدِّنْدِر والرَّهَد ينتفضان لعدة أشهر قبل أن يجفّا ويتركا وراءهما طمْياً غنياً بالخصوبة والمعادن والسماد المصنّع في تقليبات النهر من أعالي الهضبة الإثيوبية، ويغذيان عروق الأرض وينابيعه بالمياه ويتركان بحيرات ومَيعات وجمّامات تعيش عليها الحياة في صيف طويل مغطَّى بالغابات المدارية الغنية في مناخ السافانا الحار الجاف حيث تكثر أشجار الطلح والهجليج والسُّنط والكِتِر والترتر والهَبِيل والجميز..
   
محمية الدندر الطبيعية التي تقرر إنشاؤها عام 1935 هي واحدة من أغنى المحميات بالحياة البرية المتوحشة وأقدم المحميات الطبيعية في العالم وأكبر المحميات أيضاً في مساحة تعادل مساحة لبنان تعيش فيها عشرات الحيوانات البرية المتوحشة ومئات أنواع الطيور المهارجة والمستقرة وإمبراطوريات من الزواحف والحشرات وثروة سمكية هائلة.. بيئة محميد الدندر بيئة مثالية للحياة البرية فهي محاطة بالأنهار الدائمة والموسمية وسط غابة من أدغال السافانا الغنية، وحياتها في موسم الأمطار تختلف عن حياتها في موسم الصيف والجفاف..
 
استعدادات الرحلة

في موسم الأمطار يتدفق نهرا الدندر والرهد بقوة ويعيدان الحياة الخضراء للأرض المجدبة، وتتحول التربة السوداء إلى طين لازب لا تستطيع الحيوانات السير فيه فتهجر منطاق الميعات والأنهار إلى مناطق الضَّهرة في المحيط الحيوي للمحمية حيث لا تعاني الحياة هناك من وجود الماء لكثرة البرك والغدران وكثرة العشب… كما تنتشر حشرات خطيرة تخشاها الحيوانات، وتتعفن الأغصان والأعشاب نتيجة تكسيرها بأقدام القطعان الكبيرة..، ولما ينتهي موسم المطر وتجف البرك والغدران في الضهرة تعود الحيوانات إلى محيط الأنهار الموسمية حتى جفافها في ديسمبر ثم تتجه صوب الميعات (جمع مَيْعة وهي بحيرات طبيعية تتشكل في المنخفضات من بقايا الأمطار والخيران والسقّايات) وهو الوقت الأمثل لزيارة المحمية حيث يمكنك أن ترى الأسود وأنواع الغزلان وتشكيلات القرود والجواميس والنعام وطيور البجع والأوز واللقالق ودجاج الوادي… في الغدو والآصال وتمتد الزيارة بين ديسمبر غالباً إلى مايو غالباً، ويتحكّم في بدئها وانتهائها جفاف الطمي والوحل وإصلاح طرق العبور ومسالك المحمية الداخلية ودروبها الصعبة.

  

 

يوجد في المحمية مكان واحد لاستقبال السيّاح في معسكر قَلَقُو وهو على شكل قوطيات قشّ مخروطية السقف، تتوفر فيه خدمة المياه والحمامات المقبولة والأسرّة، أما الكهرباء فهي متوفرة لساعات بعد المغرب من خلال مولدات، ويجب عليك الحصول على تصريح مسبق من الحياة البرية قبل الزيارة ودفع رسوم مقررة ليست مرتفعة القيمة لوزارة السياحة. أما الطريق من مدينة الدندر إلى المحمية فهو ترابي وعر طويل يحتاج عربات ردفع رباعي عالية أو عربات بوكس قوية أو جرارات زراعية… صعوبة الوصول إلى المحمية جزء من المتعة لكثرة ما تراه من طبيعة الحياة البدوية ونمط الزراعة المطرية.

 

لا تنس أن تترك مكاناً في سيارتك لشخص جديد فعند وصولك إلى المحمية في نقطة أم سُنيط سيرافقك شرطي من الحياة البرية بسلاحه الرشاش ليحميك من هجمات الجواميس أو اعتداءات الأسود أو مفاجآت الغابة، ويرشدك إلى أسلم الطرق وينبهك إلى المحظورات.

   

 

لا تستخدِم بوق السيارة فهذا سيفرق الحيوانات ويزعجها وسيتسبب في تشتتها. احمِلْ معك كل حاجاتك من الطعام والمشروبات وأواني المطبخ التي تحتاجها إذا كنت ستبقى لأيام، أما الوقود فهو الحطب المتوافر بكثرة من بقايا حطام أشجار الغابة، وأنصحك ألا تجلب معك اللحم لأنه سيغري القطط الكبيرة الشمّامة ولا سيما الأسود، وإذا جلبتَه معك فلا تجلبه حيّاً لأنك سيتحول إلى فريسة، عليك أن تضعه في حافظة مثلجة كاتمة للرائحة أو تطبخه فوراً.

 
لا تنس أن يكون معك منظار مكبر أو عدسات تصوير بعيدة المدة 1500م أو 1700م لتتمكن من التقاط الصور الرائعة. تعلَّمْ الصمت والرباط الطويل لتحظى بفرص مشاهدة أكبر وأطول.. ولا تتحركْ كثيراً فأنت لا تدري ما سيصادفك من مفاجآت سارة أو مخيفة.

 

ستغريك الكثير من مشاهد الصيد التي يسيل لها اللعاب، أنصحك ألا تفكر في الأمر فالعقوبات قاسية جداً إذا ضبطوك!



حول هذه القصة

حذر خبراء الحفاظ على البيئة من أن الإهمال بات يهدد محمية الدندر الطبيعية للحيوانات والنباتات البرية في السودان بالفناء. وذكر أحد هؤلاء الخبراء أن الإحصاءات أظهرت عام 1994 أن الحيوانات الموجودة في الحظائر لا تتجاوز 3% من العدد الذي سجل في بداية السبعينيات.

مدفوعا بعشقه للطبيعة وما فيها من نوادر، أنشأ الكويتي طارق الرشدان محمية خاصة في شمال الكويت جلب إليها ما ندر من الحيوانات والطيور، ثم فتحها للزوار بلا رسوم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة