وهم السوشيال ميديا

blogs السوشيال ميديا هاتف

أسأل نفسي كثيرا ماذا كنا نفعل بكل ذاك الوقت من حياتنا قبل أن يصبح الإنترنت والسوشال ميديا هو الشاغل الأكبر ليومنا؟! فمثلا الآن نفتح أعيننا صباحا على صفحات الفيس بوك، نتناول فطورنا ونحن متسمرين أمام آخر الأحداث على الإنستغرام، نُجهز نحن الأمهات الغداء وعيننا الأخرى على التلفاز نشاهد مسلسلا تركيا، نُعد أطفالنا لمدارسهم وبحضنهم الأيباد والتاب، عند زياراتنا أصبحت التحية بدلا من السلام عليكم هي ما كلمة سر الواي فاي لو سمحتم؟ 

كل منا أصبح يعيش داخل قوقعته بعالمه الخاص. اختلطت علينا الآيات فلم نعد نعيش بداخل عالمنا الحقيقي، عالم الانترنت الوهمي هو أصبح العالم الذي نعيشه ونتعامل به. الزوج والأب أغلق على نفسه باستقبال المكالمات والرد على الرسائل، أصبح كائن فضائي يعيش داخل خوذته يعمل نهارا يتناول غداءه ثم يحضن هاتفه المحمول أو الحاسوب ثم ينام. تحدثني إحدى الصديقات أن زوجها كثير الانشغال بالإنترنت لدرجة لو أن أحد الأولاد ناداه لن يجيب مطلقا إلا إذا أتيت وقمت بهزه ابنك يناديك! تسرد لي احدى المواقف قائلة: في إحدى المرات أتى ابنه الصغير ومعه شيئا بيده: أبي هل تريد هذا الشيء؟ ومن شدة ولع الأب بالإنترنت وصفحات الفيس بوك لم يدرك أن ما بيد ابنه هي بطاقاته البنكية قد وقعت بيد ابنه وقام بقصها ألف قطعة!

الأم الآن لم تعد تلك الأم التي كبرنا على أن الام مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيبا الأعراق، فهي الآن على السوشال ميديا ليست فقط مدرسة بل شيفا ماهرا يسارع قبل كل شئ بوضع الصور بعد كل طبخة أعدتها بيدها، صرت أجزم أن أغلب الأمهات لم يعدن يزينً أطباقهن من أجل إدخال السرور على بيتها أو أولادها بل لإدخال السرور على متابعيها وإحراز أكبر عدد من اللايكات.

 

لا تسمحوا لقطع معدنية أن تسحب منكم أجمل اللحظات، وأعظم الذكريات، أن تسحب منكم معنى الحياة!
لا تسمحوا لقطع معدنية أن تسحب منكم أجمل اللحظات، وأعظم الذكريات، أن تسحب منكم معنى الحياة!
 

الأم أصبحت مرشدة اجتماعية تقدم أعظم النصائح والإرشادات لكل مشكلة طرحت على السوشال ميديا. وكم هو جميل كيف للزوجة أن تتغزل بزوجها وأولادها بمنشور مليء بالحب والدفء العائلي في حين قد سبقها بثوان معدودة مشادة كلامية حادة هي وزوجها انتبهت بشتم كل منهما الآخر !

الأبناء وهم الجزء الأكبر والخوف الأعظم. أحزن كثيرا على هذا الجيل، فهم لم يدركوا جمال التربية بين الأجداد والأعمام والأقارب، بين الشجر والأراضي الواسعة، بين تلويث أيديهم بالرمل والطين، بين تجربة هذا وذاك. الآن هم سجناء الانترنت والسوشال ميديا، عيونهم لا ترى إلا أزرار لوحات المفاتيح! ما بين أغنية مامي فينجر وأغنية ماما جابت بيبي تضيع حواسهم واكتشافاتهم لتنحصر بتكرار وتقليد ما رأوه. تسارع الأمهات والآباء ليكون الأيباد والتاب أول الهدايا التي يقدموها لأطفالهم، ولكي نريح أعصابنا وعقولنا نتركهم بالساعات ما بين أفلام الكرتون وأغاني الأطفال. كم هم بؤساء أطفال هذا الجيل !

كل شيء في الحياة إن زاد عن حده انقلب ضده. لا ننكر بأن الإنترنت وفر لنا أشياء كثيرة وسهل علينا مهام عديدة. بضغطة زر على جوجل يصبح العالم كله بين أيدينا، نستطيع التحليق لأي مكان وبأي زمان بفضل خاصية تحديد المواقع. لم نعد ننتظر الحمام الزاجل او البريد لإيصال رسائلنا، بل أصبحت مكالمة من تحب سهلة ومتوفرة بكل وقت وبالوقت الذي تريد. لم يعد العمل مقتصرا على المكاتب والشركات بل حاسبوك المحمول هو شركتك وعملك الحر.

اصنع من الليمون الحامض شرابا حلوا! ليتنا نستطيع أن ننظر إلى الجزء المملوء من الكاس ورؤية هذا الجانب الإيجابي من الإنترنت. لما لا نقسم وقتنا على الإنترنت فنجعل جزء منه للتواصل الاجتماعي، وجزء آخر للبحث والاطلاع والاستفادة، وجزء لنجعله عملا تطوعا لنا من تقديم مساعدة لمن يريدها من نصيحة أو تعليم أو غيره. لا تسمحوا لقطع معدنية أن تسحب منكم أجمل اللحظات، وأعظم الذكريات، أن تسحب منكم معنى الحياة!