شعار قسم مدونات

من سيقود البشرية؟

BLOGS البشرية المسلمون

يحيا العالمٌ الغربي اليوم في حِيرةٍ وتخبُّطٍ وضياعٍ للهدف والغاية، مع ما وصل إليه من تقدمٍ وإبداعٍ ماديٍ وقيادةٍ للبشرية استمرت لقرونٍ من الزمان، ومع هذا التقدم وتلكمُ الحضارة، إلا أنَّهم مازالوا يشْعٌرون بالنَّقص في كل معانيه، ويعانون من العجز في كل مظاهره، يشعرون بنقصٍ روحيِّ لِخواء ضمائرهم من الواعظ الذي يُوجِّه ويُرشد،ـ وعجز عن تقديم أي جديد للبشرية من حضارة أو قِيم، بل حتى أنهم لم يعُدّْ يملكون نصراً معنوياً في أنفسهم، فضلاً على أن يمنحوه لغيرهم، وذلك بسبب خَواءِ منهجهم الماديّ من الروح المُلهمة والداعية للاستمرار، وأي عاقل لبيب يُدرك ذلك جيداً، أضف إلى ذلك نُضوب نهضتهم العلمية والثقافية من تقديم نموذج يُحتذي به، وفشل تجاربهم الداعية إلى الوطنية والقومية، بالإضافة إلى خراب تجمعاتهم الإقليمية، وما الاتحاد السوفيتي منَّا ببعيد.

كل ذلك يؤكد أن قيادة البشرية لن تدوم بيدِ العالم الغربي طويلاً، بل الواقع الحالي الذي نشهده، وسرعة جريان أحداثه وتطوراته، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن العالم الآن مهيئٌ لقيادة جديدة تُنقذه مما وصل اليه من انحطاط أخلاقي، وفساد مجتمعي، تسيطر عليه روح الجاهلية، حتى أصبح مُتعفِّن الضمير، آسن الروح، تختل فيه القيم والمقاييس، ويسوده الظلم والعبودية، وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التاعس، وتغشاه غاشية من الكفر والضلال والظلام، وضياع لبوصلة الحضارة والتقدم، التي تغنى بها الغرب قرون عديدة في غياب ممنهج، أو تغيِيبٍ مُتعمد لمنافس حقيقي يملك من الأدوات والتصورات والمبادئ ما لا تمتلكه تلك الحضارة الزائفة يوماً، ولكنه كان مُعطَّلاً بيد أبنائه قبل أعدائه.

إن العالم كله الآن ينتظر من يُخلِّصه من حياة الجاهلية التي يحياها، الجاهلية التي كسَت كل شيء حتى هبطت بهم إلى أحط الدركات، ولكن هنا يكمن السؤال ويرتكز لُبُّ القضية.. من سيقود البشرية؟ أزعم أن القائد الجديد الذي تترقَّبه البشرية وهي في أدقِّ ساعاتها حرجاً، وأبلغها خطورة، وهي تكاد تقف على حافة الهاوية تنتظر المُخلِّص، أزعم أن ذلك القائد الذي تعقِد عليه البشرية آمالها، وترتجي منه أن يَلِمَّ شعثها، ويحرك بَوصَلتِها نحو الاتجاه الصحيح هو "الإسلام".

نحتاج جيل بعثٍ جديد يعرض للناس الإسلام على أنه منهج حياة، فيه سعادة الدنيا والآخرة، جيلٌ يؤكد للبشرية أن الإسلام ليس دين عزلة عن الواقع والحياة

الإسلام هو القائد الذي تنتظره البشرية ليُخلِّصها من براثم الجهل، وتبعات الجاهلية، وسوء المنقلب، فقد عاشت البشرية قبله بل وإلى يوم الناس هذا، كل أنواع الضلالات والإنحرافات، حتى أصبحت الديانات العظمى عندهم فريسة العابثين والمتلاعبين، فأفقدوها روحها، وحرفوا كٌتبها ومنهاجها، حتى صارت أكاذيب وأحاديث، وقصص وأساطير لا تُشبع روحاً ولا ترشد طريقاً.

يقول الشهيد سيد صاحب الظلال رحمه الله: "وها قد جاء دور الإسلام ليكون سفينة النجاة في عالم يموج بالظلمات بعضها فوق بعض، جاء دوره في تخليص روح البشر من الوهم والخرافة، ومن العبودية والرِق ، ومن الفساد والتعفُّن، ومن القذارة والانحلال، نعم لقد جاء دور الإسلام في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن التفكُكِ والانهيار، ومن فوارق الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكُهَّان، كما جاء دوره في بناء العالم على أُسسٍ من العفَّة والنظافة والايجابية والبناء، والحرية والتجدد، ومن المعرفة واليقين، والثقة والإيمان، والعدالة والكرامة، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة وترقية الحياة، وإعطاء كل ذي حق حقه في الحياة سواءً بسواء".

لذا ما أحوج البشرية إلى جيل بعثٍ جديد، ينادي في فطرتها بالإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ليخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والأخرة. فالبشرية اليوم أشد ما تحتاج إلى إسلام جديد غير إسلام اليوم متمثلاً كذلك في جيل جديد يحمل مواصفات وتصورات غير الذي يحملها جيل اليوم، جيل كالجيلِ الأول في عقيدته وتصوراته، ومبادئه وتصرفاته، وأقواله وأفعاله وسلوكياته، جيل بعثٍ يحمل هم البشرية كلّها، حتى يكون الدين كلّه لله، ويحقق مراد الله من خلافة الأرض "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ".

جيل بعثٍ جديد يعمل على تحقيق العقيدة في نفوس أتباعه اولاً، ثم يتحرك بعقيدته إلى أطناب الأرض قاطبة يدعوا إلى الإسلام من جديد، وهو وقتئذ يملك نموذج واقعي ومحاكاة حقيقية للإسلام الأول، يقدم لأهل الأرض عقيدته، ويطرحُ عليهم نظامه ومنهجه في الحياة، ليس طرحاً من باب الجدل النظري بل مصحوباً بالنموذج العملي الذي يؤكد النظرية، ويحاكي الواقع والحياة. جيل بعثٍ جديد يعرض للناس الإسلام على أنه منهج حياة، فيه سعادة الدنيا والآخرة، جيلٌ يؤكد للبشرية أن الإسلام ليس دين عزلة عن الواقع والحياة، وليس يدعوا أتباعه لسكن الكهوف وملازمة البيوت، بل هو منهج للحركة ضد السكون، هو الحياة بكل ما فيها من حياة، هو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو علم وقضاء، أو ثقافة وقانون، وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صحيحة وعبادة سليمة سواء بسواء.

جيل بعثٍ جديد ينطلق بالإسلام في أهله وفي غير أهله، يصحح المفاهيم، وينشُر القيم، ويُقوِّي الروابط بين الأمة وغيرها من الأمم، جيلٌ يتحرك بالإسلام وللإسلام، مبشراً وهادياً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، يُبلِّغ الحق بحق، ويعرض الدين بصدق، طامعاً في أن ينال من الله إحدى الحُسنين إما النصر وإما الشهادة.