شعار قسم مدونات

ماذا يعني أن تبني قطر مكتبة؟

مدونات - مكتبة قطر الوطنية

تابعتُ مراسيم تدشين وافتتاح أكبر مكتبة ذكية في العالم، أكبر فكرة للثتقيف في العالم العربي، وأوسعَ مكانٍ يحتضن الفكر في العالم الإسلامي، في أصغر دولة في العالم العربي من حيث المساحة لكنّها الأكبر فكراً وطموحاً. فماذا يعني أن تبني قطر مكتبة في القرن الحالي ؟، أكتفي بهذا السؤال دون غيره لأنه كافٍ بأن يلخص جميع الأسئلة ويقدّم جواباً على كل علامة استفهام قد تتبادر في ذهن متسائل.

 

ماذا يعني أن تبني مكتبة؟ ترى الأنظمة العربية أنه مضيعة للمال والطاقة، يرى الغرب ذلك أنه مسألة حيوية ومسألة حياة أو موت لشعبٍ لابدّ أن يفكّر ليعيش. على عكس ذلك تسعى الدول العربية إلى ترسيخ فكرة الشعوب المتخلفة فكريا التي لا يمكنها إلا أن تكون قطيعاً يتبع ظلّ سيده. قطيعٌ يجب ألا ينتج فكراً، يتغدى من رواسب الغرب ويستمدُ تفكيره العقيم من الجهل والتخلف. شعبٌ لا يريد الحياة ولا يستجيبُ القدر ولابدّ أن يعيشَ في ليله الحالك وظلامه تخلفه السائد. ثم ماذا يعني أن تبني أكبر مكتبة؟

 

إن بناء مكتبة في العصر الحالي يعني السير ضد التيار السائد في العالم العربي وشمال أفريقيا، من المحيط إلى الخليج. أن تسبح في مغامرة يراها حكام العرب مضيعة للجهد ومسألة خطيرة تضر بالأمن القومي، أمنهم وأمن قومٍ يعيشون تحت سلطتهم. عكسَ ذلك ترى قطر بناء مكتبة مسألة ضرورية للتقدم. فالمكتبة في عصرنا الحالي وفي أوطاننا آخر ما يفكر فيه الفرد والحاكم، آخر ما يتبادر إلى ذهن السياسي الذي ساهم في تحريف معنى الثقافة من الفكر والإنتاج الفلسفي والمعرفي إلى تعريف يعتبرها؛ أي الثقافة؛ رقصٌ وغناءٌ ومهرجة. فيغدق على المغنين والراقصات بملاين القطع النقدية، يمول المهرجانات وتُكرّم الشخصيات التي ترتدي سراويل ممزقة والضيقة، مضيقا الخناق على كل ما هو تفكيرٌ وتنوير. فماذا يعني أن تبني أوسع مكان يحتضن الثقافة والأدب والفكر؟

 

الأمة جسدٌ قلبها العلم النابض، والفكر عقلها القائد والكتاب غداءٌ لابد منه من أجل الحياة. لذلك فبناء المكتبات من بناء الأمم، ورفع سقف رفوفها من رفعة مكانتها 

إن بناءَ فضاء للثقافة والفكر يفتح باباً واسعا نحو السماء الفسيحة التي تنتعش فيها الأفكار وتستنير فيها العقول. هيَ إرادة تستعصي على كل الحكام في المنطقة، إرادة تثقيف شعوبهم، قتل الجهل فيهم وجعلهم أمةً مفكرة. فبناء الأمم لا يتأتى إلا ببناء فضاءات للفكر تساهم في خلق تيار مفكر يقود إلى الأمام، يجر قاطرة التنمية ويسير في نهج العلم والتطور. هيَ رغبة تعكسُ طموح دولة استطاعت أن تبني مكتبة في ظل الحصار، بينما يستمر الجيران في البهرجة والمهرجة والحفلات وهم في أمس الحاجة إلى مبادرات تساهم في التقدم بهم نحو الآفاق الرحبة للعلم والثقافة. فلا يمكن أبداً لشعب مثقف أن يسير في الظلام، فالفئة التي قادت ميادين التحرير في تونس ومصر وليبيا وغيرها كانت تهدف فقط إلى زعزعة فكر نظام يقوم على تجويع الشعب ثقافيا وفكريا، ماديا ومعنويا. فقامت الثورات وثارت براكين العزائم فألحقت هزائم مدوية بأنظمة استثمرت في الجهل لتخلق شعبا كالقطيع، يقومُ على أغنية وينام على إعوجاج خصر راقصة. ثم ماذا يعني أن تشعل شعلة نور في وطن؟

 

إنها مسألة خطيرة في نظر الحاكم العربي الإله على الأرض، وهي في نظر الله رب السماء والأرض أمرٌ وجب اتباعه، وشريعة افتتح بها الله تعالى مبتدأ الوحي، حين قال تعالى: "اقْرَأْ" فماذا نقرأ ؟، ولماذا يجب أن نقرأ؟ تجيبُ قطر كما أجابت ألمانيا وفلندا وبريطانيا وأمريكا، إذا كام لابد أن نستند إلى الغرب في كل شيء، فل نحسن اختيار ما يمكن أن نستورده. قطر استوردت فكرة، مكتبة ذكية وآخر صيحات التكنولوجية في مجال الرقمنة وتطوير سبل البحث والتفكير… بينما استورد الجيران أكبر قاعات السينما، وأعلى صيحات المغنيات والمهرجين، وبين الحال والحال ما بين طيارة نفاثة ونظام معلوماتي متطور يقود طائرة بدون طيار، وبين السير على خطى البعير ولجمه وجره وسط الصحراء.

 

 

مقارنة غير عادلة ومقاربة غير منصفة. فل نفكر ونرتقي قليلا، فالله سبحانه عندما أراد أن يبني أمة محمد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بدأ بالقراءة وأمر بها، مع أن الرسول الكريم كان جاهلاً لمعارف القراءة وأميا لا يعرف الكتابة، إلا أن الله تعالى كان حريصا على أن يفتح عقل المسلمين بالقراءة، فأمرهم باقرأ ثم أنزل الكتاب ليدرس ويقرأ. فالقراءة باب نحو الرقي ونافذة نحو آفاق التطور والتقدم. ولا يخفى على كل فرد خبَر القراءة وجرب لذتها أنها تفتح شهية العلم، تنير العقل وترفع قيمة الإنسان وقيمَه النبيلة الحميدة، بينما تفسد المهرجانات الأخلاق وترسخ فكرة القطيع الذي يرقص على نغمات شخص يقف عاليا ويلوح بيده وخصره ويصدح بنهيقٍ يضر بالمسامع والعقل، وإن أنكر الأصوات عند الله، لصوت الحمير، ليسَ كرها وحقدا لمخلوق من مخلوقات الله، إنما لصوتٍ يمزق طبول المسامع ويفسدها.
   
فلأن الأمم الأخلاق، فلا يمكن بناء أمة دون التخلق بأخلاق فضيلة، تنشأ بفضل العلم والفكر. فالأمة التي تبنى على أسس مثينة أشبه ببيت من إسمنت وحجر بني أساسه على مبدأ يقويه ليدوم للأبد، بينما لا يستطيع الجدار المتصدع الذي تدعمه أسس مغشوشة وأعمدة الجهل أم يقاوم أكثر. والأمة التي تربى في مكتبة مفتوحة على العالم أكثر تسامحا وانفتاحا من شعب يتغدى على رواسب الجهل والتطرف والحقد. فلكل ذلك، يعتبر بناء مكتبة على صغرها أو كبرها مسألة غاية في الأهمية في طريق التقدم والتطور المعرفي والفكري. الفكر الذي ينتج الأفكار والعلوم والأدب والثقافة. الفكر الذي يعتبر سلماً نحو المجد والسمو والمعرفة، الفكر الذي يبني درجا إلى السماء والفكر الذي يبني أمة.
   
إن الأمة جسدٌ قلبها العلم النابض، والفكر عقلها القائد والكتاب غداءٌ لابد منه من أجل الحياة. لذلك فبناء المكتبات من بناء الأمم، ورفع سقف رفوفها من رفعة مكانتها وقيمتها، وأن تخلق فضاءً ينعش الأفكار وينتجها خير من أن تؤسس قطيعا تابعا خاضعا. فأن يكون لديك مليون كتاب ألفه شبابك وشيبتك وفيه واحد من الألف كتابٌ جيد، خير من أن تخلق مغنياً يجمع مليون شاب أمام منصة يخدرهم وينسيهم مسؤولية المستقبل والأمة. وأن يكون لديك فضاء ينتج كاتبا مفكرا وفيلسوفا في كل عام خير من مجتمع لا ينتج إلا قطاع الطرق. ولهذا فمجتمع يتعاطى القراءة والكتابة أكثر مناعة من مجتمع يتعاطى العقاقير المهلوسة والأفكار السامة القاتلة من إرهاب وتطرف. فملذا يعني أن تبني مكتبة؟
   
يأتيك الجواب حاضرا دون سابق تفكير: يعني ذلك بكل يقين بناء الأمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.