لو كُنتَ طبيباً لأمراض السرطان

blogs - سرطان
لو اتسع لك المجال أن تكون طبيباً لأمراض السرطان ليوم واحد ماذا سيكون شعورك وكيف تقضي يومك، كيف هي حياة هذا الطبيب وكيف تمضي ساعات عمله، هل هي مهنة عادية يتم التعايش مها بسهولة، كيف تواجه مرضى السرطان كل يوم وكيف تتعامل معهم جسداً وروحاً وعاطفةً؟

 

في صيف عام ٢٠٠٩ وعندما كنت منهكاً في التدريب السريري في السنة الثانية لاختصاص الأمراض الباطنية في أحد مشافي شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية تلقيت خبر قبولي في اختصاص أمراض الدم والأورام في إحدى جامعات ولاية ميشيغان بكل سرور وفرحة كبيرتين. قليلون هم الأجانب الذين تم قبولهم في تلك السنة في هذا الاختصاص الصعب. بينما يعزف العديد عن تقديم أوراقهم لهذا الاختصاص لصعوبته وجفافه وحجم المآسي التي يتوقع هذا الطبيب أن يواجه خلال حياته الطبية، يحاول عدد غير قليل من الأطباء الأمريكان والأجانب التنافس على المقاعد المحدودة للتدريب. من ضمن الأسئلة وأهمها عند إجراء مقابلات المشافي للقبول في اختصاص الدم والأورام هو السؤال عن سبب حبك ورغبتك في هذا التخصص المعقد والصعب، والدي ينفر منه الكثيرون منه.

 

رغبتك في مساعدة الآخرين، قصص مؤلمة لمرضى أورام شهِدتَ معاناتهم في بلدك أو خلال دراستك الجامعية، حبك للأبحاث الجديدة، إعجابك بطبيب معين مشهور في هذا الاختصاص ومميز في شخصيته، رغبتك بالعودة لبلادك والإسهام في رفع المعاناة عن مرضى السرطان وتقديم أحدث العلاجات لهم، كل هذه عوامل تجعلك متعلق بدراسة هذا المجال الطبي والالتحاق بهذا الاختصاص. كنت قد غادرت بلدي سوريا الى أمريكا في عام ٢٠٠٥ لإكمال الدراسة والبحث عن مستقبل علمي ومادي في الخارج، حالي كحال آلاف الشباب من جيلي. مع أنها كانت أفضل بكثير مما هي عليه الآن لكن لم توفر بلدي خيارات متاحة ومريحة لنا لنبقى فيها. كان ديدن معظم الشباب وخاصة خريجي الجامعات الهجرة الى الخارج. مشوار صعب يخوضه معظم المغتربين الشباب يتضمن سفر وبحث عن مأوى واجتياز امتحانات والتأقلم على العيش في بلد جديد، مشوار لا بدَّ من خوضه رغم صعوبته لأن الخيارات في البلد الأم محدودة وغير مشجعة.

 

مخطئ كثيرا من يظن أن كل مريض سرطان هو عنوان للموت، من أكثر ما يشيع في مجتمعاتنا هو الحزن والتمزق ورفع راية الاستسلام عند سماع هذه الكلمة السرطان مريض كان أم قريب أم صديق

عمل طبيب الدم والأورام اليومي هو بين مرضى السرطان، ومع من يتلقون العلاجات الكيماوية، مع عائلات المرضى يسألون الكثير من الأسئلة، مع بعض المرضى الذين يتعرضون للآثار الجانبية من العلاج، مع الناجين من المرض بعد العلاج، آخرون في آيامهم الأخيرة من الحياة. أن تكون طبيباً لمرضى السرطان يعني أن تعتاد على التعايش مع الأخبار المحزنة والمفرحة والمختلطة معاً، أن تعطي نتائج العلاج والتصاوير لشخص لا تسعه فرحته من أن ينهار باكياً من الفرح فيعطيك عناقاً طويلاً، بعد أن تنتهي من هذه الزيارة تتوجه الى الغرفة المجاورة لترى مريضتك التي أعياها المرض من أخمص قدميها الى رأسها وهي تطلب المساعدة وابنتها في الغرفة وقد أُغرقت عيناها بدموع الهموم من كلامك الذي يعلن الاستسلام للمرض ويقترح البدء بالإجراءات التلطيفية. أن تكون طبيباً لمرضى السرطان يعني أن تعتاد أن تكون مع مريض وعائلته لفترات طويلة وزيارات متكررة تصبح جزءً من عائلتهم ثم يحين وقت عندما تأتي العائلة من دون المريض وتتذكرون معاً فقيدكم الذي غادر الحياة ولَم تغادركم صورته وذكرياته.
 
أن تكون هذا الطبيب يعني أن يأتيك المرضى دائماً بأسئلة عن الدواء الجديد أو الغذاء الواقي من السرطان أو العشبة المكتشفة أو ما تم تجريبه عند الجار أو القريب، معظمها علاجات غير مثبتة علمياً وغير مجدية. كثيرةٌ هي القصص التي تُروى في هذا الاختصاص، يكاد لا يمر يومٌ من غير قصة مريض مؤثرة أو حادثة مميزة تأبى الذاكرة الا إبقائها وحفرها الى أيامٍ طويلة.

 

لا تُبدع في عملك ولا في تخصصك الوظيفي إلا إذا أحببته، استمتعت به، جعلته جزءً من شخصيتك وحياتك. تتجلى هذه الحكمة بشكل خاص عند الاطباء الممارسين في علاج أمراض السرطان بشكل شبه يومي أشهد نتائج إحدى أسوء العادات الاجتماعية التي هي متغلغلة في بلادنا ومنتشرة بشكل مخيف حتى ضمن بعض الأطباء والعاملين في المجال الطبي. مرضاي من المدخنين لم يعرفوا آفتها ووقعوا في محظورها إلا من بعد ما تم تشخيصهم لسرطان متقدم أو أعراض شديدة. من أصعب السرطانات هي الرئة والرأس والعنق وهي تنتشر بشكل أساسي عند المدخنين.

  undefined

 

أكثر ما يؤلم طبيب السرطان هي رؤية تلك العادة السائدة في مجتمعاتنا وهي أن أهل المريض يتجنبون إخبار المريض عن حقيقة المرض، عن تطوراته أو انتشاره أو خيارات العلاج. يقولون له ليس بك شيء،إنه إعياء بسيط أو التهاب. حتى عندما يأتي الى المشفى للعلاج الكيماوي يقولون له هذا مضاد التهاب أو هذا مسكّن ألم. ارحموا مرضاكم بذكر الحقيقة، ارحموا أنفسكم ولا تكذبوا عليهم، لا تُسروا معلومات صحتهم معرفتها هي أبسط حقوقهم، شاوروهم في اختيار العلاج، ساعدوهم في تخفيف جهلهم بمعاناتهم، لعل عندهم وصية مبيتة أو إجراء مهم أو لهم دعوة مستجابة. حالات نادرة ممكن فيها تجنب إخبار المريض بتفاصيل مرضه العضائل وهي عند الأيام الأخيرة عندما لا يكون عند المريض القدرة على اتخاذ قرار أو تغيير حال.

 

مخطئ كثيرا من يظن أن كل مريض سرطان هو عنوان للموت، من أكثر ما يشيع في مجتمعاتنا هو الحزن والتمزق ورفع راية الاستسلام عند سماع هذه الكلمة السرطان مريض كان أم قريب أم صديق. لا يدري هؤلاء أن نسبة ليست بالقليلة من المصابين بالمرض يتماثلون للشفاء من خلال العلاج الجيد والمتابعة مع الأطباء، لا يدرون أن المرض ممكن أن يزول من خلال استئصال جراحي أو علاج شعاعي أو دواء كيماوي أو كلهم معهم، لا يدرون أن العلم كل يوم في تطور وفيه أبحاث جديدة وتجارب علمية حديثة وأدوية أكثر فاعلية، لا يدرون أنه حتى في مراحل المرض المتقدمة والمستعصية فإنه من المهم أن تستخدم العلاجات التلطيفية وتخفيف الآلام والمعاناة وابقاء السرور والبسمة في وجه المريض.

 
بالأمل تعيش النفوس وتحيا وبه تستمر الابتسامة ويتحقق النجاح. تبقى الحياة والشفاء دائماً بيد الله سبحانه وتعالى ويبقى العلاج وتلقيه ومتابعته هي من سُنن الأديان ومنهج الأنبياء وفطرة الانسان السليمة واتخاذ الأسباب من واجبنا كبشر.. دعوة لاتخاذ الأسباب والتحلي بالصبر ورؤية ساحة الأمل والتفاؤل بالخير.