حياة بائسة أمام مصير مجهول

BLOGS لاجئ

دائماً ما كان يتردد على مسامعي أن في التفرقة الضعف، لكن لم أتخيل قط بأن تكون التفرقة سبباً في الموت البطيء لقرابة مليون إنسان برئ، تأويهم خيم الموت وحصد الأرواح وعلى مرأى ومسمع من العالم المنشغل بقضايا أكبر وأهم وأخطر من الإنسان. حياة بسيطة يعيشها هؤلاء الناس يفتقرون فيها لأساسيات الحياة، يعيشون اليوم وليس عندهم أدنى ثقة بغدٍ، لا يعلمون ماذا يحصل غداً لا أقصد هنا علم الغيب وإنما أقصد تلك القرارات والأحكام والحياة الأليمة التي يصارعون فيها من أجل البقاء، بعد أن فقدوا كل المحاولات التي تضمن لهم الحياة المستقرة التي تمكنهم من العيش كأي إنسانٍ آخر في هذا العالم .

فهذه الأرض الطاهرة التي سموها بأرض العزة يتغنون بها بالمحافل ولكن لا يعلمون أبداً حقيقة هذه الأرض التي أنهى فيها زمن العزة، إن جبت شوارعها لن ترى سوى الفقر، وسترقب بائعاً وجهه ملئٌ بالتجاعيد أنهكه تعب انتظار مشترٍ ليعود إلى أطفاله بقوت يومه الذي لن يكفي سد احتياجاتهم اليومية. مكانٌ يخلو من الأمن والمال، ملئٌ بالنزاع على الحكم والسلطة والثروة، ومسؤولين غارقين في ترفهم متجاهلين فقر رعيتهم، والوجوه بائسة والجيوب فارغة، وظلامٌ دامسٌ أضحى في كل ركنٍ من شوارع هذه المدينة اليتيمة، التي أغلقت في وجوه سكانها أبوابٌ موصدة، بعد أن كانوا يبحثون عن منفذِ فرج ينقذهم من العضال الذي أصاب جميعهم ولم يرحم أحداً، إثر انهيار الاقتصاد والأمن الداخلي والخارجي وتخاذل الأطراف.

عرفت دائماً بشعلة النصر والمقاومة، والشمعةُ التي وقودها الثورة والحجارة، هبت عليها رياح الظلم والفقر والألم والفرقة لتُذهب عنها نور القمر ويحل ظلامٌ دامسٌ يملأه الحزن واليأس، وينفيها وحيدةً عن باقي العالم، ويتركها ضحيةً لظلمٍ فادحٍ وخطأ وطني وعروبي، هي غزة. هي الأرض التي أقصدها، تلكك المنطقة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها (365 كم مربع) من وطني فلسطين، التي عرفت دائماً بالصبر والصمود، ولكن الآن لم يبقَ في الجعبة سهام فقد نفذ الصبر بعد هذه السنوات العجاف فبعد أن بدأ بريق الفرج يظهر وبدأت ملامح الزمن الجديد بالبزوغ لم يتركوها تكتمل وتكاثفت الجهود من جديد من أجل خطف هذا الوميض.

 في غزة أطفالنا تولد مجهزةً لهم القبور، ونحن جيل المستقبل لم نأخذ من الشباب سوى عدد السنوات، ولكن في داخلنا هموم عجوزٍ في الستين
 في غزة أطفالنا تولد مجهزةً لهم القبور، ونحن جيل المستقبل لم نأخذ من الشباب سوى عدد السنوات، ولكن في داخلنا هموم عجوزٍ في الستين
 

لا أعلم ما الهدف من وراء محاولات السلب المتكررة، ولا يعنيني أبداً سواء كان سياسي أو اقتصادي، ولكن ما ذنب هؤلاء المغلوبين على أمرهم وما الذي يجبرهم على العيش في هذا المحيط البائس الذي يخلو من ملامح الحياة. وإنه بالرغم من سخط الاحتلال، وعلقم الفرقة الذي ما زال مسيطر، والتشاؤم الذي يجوب الأجواء، فإن الغزيين مستمرون في التربص للتفاؤل وانتظار بصيص أملٍ ينقذهم من هذا الواقع القاتل للأرواح للأحلام للحب وللسلام. و مهما طال الزمان لا بد أن ينكسر القيد، وتعود غزة إلى ما عهدناها عليه، زمن أطفال الحجارة، والشباب الثائرة، وسينتهى زمن غزة الجريحة حتى وإن طال طريق الوصول إلى النهاية، وإن اشتدت وطأة الحصار سيأتي يوم النصر الموعود والتحرر من الظلم والظلام .

كتبت هذه الكلمات ومشاعر القهر تغلبني ليس على حالي فقط وإنما على حال كل غزي يعيش هنا، فأنا فتاة غزية في ريعان شبابي أبلغ من العمر 21 عاماً، من المفترض أن يكون هذا هو عمر الزهور، ولكننا في غزة أطفالنا تولد مجهزةً لهم القبور، ونحن جيل المستقبل لم نأخذ من الشباب سوى عدد السنوات، ولكن في داخلنا هموم عجوزٍ في الستين، نعيش ربيع عمرنا وسط جحيمٍ يحرق إراداتنا، وكلما مر الوقت تحولنا إلى كهول، وأحلامنا إلى سراب، وحياتنا إلى المجهول.