الانتخابات التركية المبكًرة.. "ضربة معلّم" تمنع خلخلة شعبية الرئيس!

مدونات - أردوغان

طالما نفت الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد نيتها تبكير موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كان من المقرر إجراءها في البلاد بشكل متزامن لأول مرة بموجب التعديلات الدستورية في شهر نوفمبر من العام المقبل 2019 ولكن السياسي الحاذق لا يفوت الفرص التي تلوح له بين الحين والآخر وهذا هو الأمر الذي فعله الرئيس رجب طيب أردوغان فقد التقطت الدوائر السياسية وصنَّاع القرار في الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية الدعوة التي أطلقها زعم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في البلاد، وأقترح أن تكون في شهر أغسطس آب المقبل وتم عقد اجتماع بين الرئيس وبهتشلي على إثر مقترح الأخير بالانتخابات المبكرة ولم يطل انتظار المراقبين حتى خرج الرئيس أردوغان في مؤتمر صحفي يعلن إجراء انتخابات مبكرة في شهر يونيو/حزيران القادم وليس في آب/أغسطس كما أقترح بهتشلي.

الانتخابات المبكرة ليست اختراعا تركيا

وما أن أعلن رسميًا عن تبكير الانتخابات حتى التقط خصوم العدالة والتنمية وخصوم أردوغان هذا الإعلان وكالوا سيلًا من الاتهامات لرئيس الجمهورية مفادها أن الرجل نفذ صبره وطال انتظاره لممارسة صلاحيتها الجديدة التي منحت له بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة وأنه يريد الاستحواذ على القرار السياسي في البلاد ويتفرد به وطبعًا وبكل تأكيد في السياسة لا يوجد شيء مستبعد ولكن تبكير الانتخابات ليس من اختراع أردوغان ولا حزبه ولكنه خيار معروف في كثير من النظم السياسية الديمقراطية في العالم وما دام الأمور تسير وفق الدستور والقانون فأين المشكلة؟!

كيف يسوغ العدالة والتنمية الانتخابات المبكرة
يرى خصوم الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية أن إقرار الانتخابات المبكرة جاء استباقا لتدهور اقتصادي محتمل وتراجع مستمر لسعر صرف الليرة

منذ إقرار التعديلات الدستورية في تركيا في شهر أبريل من العام الماضي وأصبح بعضها نافذ وبعضها الآخر بانتظار التنفيذ بعد الانتخابات المفترضة في العام 2019 بدت البلاد وكأنها تعيش حالة من ازدواجية النظام السياسي بين النظام البرلماني السابق وبين النظام الرئاسي القادم وهذا الأمر له انعكاساته السلبية على سيرورة الحياة العامة في البلاد في الشؤون الداخلية والخارجية على حدٍ سواء.

ويزداد هذا الأمر تعقيدٍ مع تزامن جملة من التحديات التي تواجه البلاد ونظامها السياسي فعلى الصعيد الداخلي أخذت السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تؤثر سلبًا على الاقتصاد التركي بمختلف القطاعات وبنسبٍ متفاوتة وترتب على ذلك تذبذب سعر صرف الليرة التركية وما يلحق به من تداعيات وعلى الصعيد الخارجي فقد تصاعد خطر المنظمات الإرهابية على حدود البلاد الجنوبية والجنوبية الشرقية مما حتَّم على الجيش التركي القيام بعمليات عسكرية في سوريا والعراق وأبرزها عملية غصن الزيتون في عفرين السورية.

 

وهذا من شأنه أن يؤثر على النمو الاقتصادي في قطاعات شتىّ وكل هذه القضايا تحتاج إلى نظام سياسي مستقر وغير مزدوج. وقد أوجز رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في تفسير تبكير الانتخابات بقوله إن التطورات الداخلية والخارجية تسببت بإقرار إجراء الانتخابات المبكرة في البلاد.

كيف يبرر خصوم أردوغان تبكير الانتخابات

من جانب آخر يرى خصوم الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية أن إقرار الانتخابات المبكرة جاء استباقا لتدهور اقتصادي محتمل وتراجع مستمر لسعر صرف الليرة وفي حال استمرار هذه الحالة فإن شعبية الرئيس وحزبه ستتراجع وتنعكس سلبًا على نتائج الانتخابات واحتمال فوزه فيها كما يرى هؤلاء الخصوم أن خطوة تبكير الانتخابات تأتي لتمكين العدالة والتنمية من توظيف انتصار الجيش في عملية غصن الزيتون سياسيًا خاصة وأن الرئيس هو من دعا لتنفيذ هذه العملية.

تبكير الانتخابات مهما كانت أسبابه يعد وفق التعبير العامي العربي ضربة معلم تقطع الطريق على إمكانية خلخلة شعبية الرئيس والحزب الحاكمتبكير الانتخابات مهما كانت أسبابه يعد وفق التعبير العامي العربي ضربة معلم تقطع الطريق على إمكانية خلخلة شعبية الرئيس والحزب الحاكم
 
مأزق المعارضة

تعيش الأحزاب التركية منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي حالة من التراجع والاضطراب، ولم يتمكن أي منها من إحراز فوز يمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، مما جعل الحكومات تشكل بصورة ائتلافية وظلت الحكومات أسيرةً للتجاذبات الحزبية حتى عام 2002 عندما أقصيت جميع الأحزاب التركية عن السلطة لصالح حزب العدالة والتنمية الذي استطاع تعزيز مكانته في الساحة السياسية عبر فوزه بأغلبية مريحة مكنته من تشكيل الحكومة بمفرده مرات متوالية، ومازال يشكلها منفردًا حتى اللحظة.

 

وبعد أن أصبحت كل الأحزاب التقليدية التركية في المعارضة وصلت قيادات تلك الأحزاب إلى قناعة بضرورة إعادة صياغة برامجها وترتيب أمورها الداخلية، كي تتمكن من العودة للمنافسة بقوة في الساحة السياسية، إلا أن الإجراءات التي اتخذتها تلك الأحزاب لم تكن ناجعة وبقيت الحالة الحزبية في تركيا منذ ذلك الحين تراوح مكانها وسينعكس هذا الأمر على منافستها في الانتخابات القادمة فهذه الاحزاب لا تمتلك مجتمعة أو متفرقة منافسًا حقيقيًا للرئيس وبالتالي فإن تبكير الانتخابات يعمق مأزق المعارضة خاصة وأن الوقت المتبقي للانتخابات ضيق ولا يساعد على مزيد من المناورة. وختامًا فإن تبكير الانتخابات مهما كانت أسبابه يعد وفق التعبير العامي العربي "ضربة معلّم" تقطع الطريق على إمكانية خلخلة شعبية الرئيس والحزب الحاكم.