الأمر الذي يأتي من غير مأتاه أصبح غير مستغرب!

مدونات - كتاب وجمجمة
دائما ما يستحضرني مقطع من مقاطع مدرسة المشاغبين بعد تصالح الطلبة والأستاذة وشرعت في تقديم الدرس من جديد، قائلة: الأخلاق، حينها جاوبها مرسي الزناتي (سعيد صالح) بالهمزة، كنوع من الطارفة في اللهجة المصرية، فأجابته الأستاذة: لا يهم، المهم أن نمتلكها كلنا، قد يمر الكثير مرور الكرام على هذا المقطع من المسرحية، ليس نقصا فيهم لكن لما تحتويه المسرحية من الإفيهات التي تلهيك في كثير من تتبع المسار السردي للمسرحية والهدف والغاية الأصلية لها..

 
الأخلاق هذا الكل المركب الذي أعيا الفلاسفة والمفكرين منذ سقراط مرورا بديكارت فماركس ثم روسو حتى الفلسفة المعاصرة، في رحلة البحث عن تجسيم وتأسيس لهذا المصطلح ووضعه في إطار خاص به، بل أن هناك من يعتبره علما "علم الأخلاق"، فمذ وضعنا قدمنا في المدارس الحكومية، سعت النظم التعليمية لترسيخ مبادئ هذا المصطلح في أذهاننا وإن -كانت نسبية-، هذا ما أدركناه بعد سنوات، فأغلبها مفتعل ومبالغ فيه، ولا يمت للأخلاق بأي صفة، فقد سعى الكثير من المربيين كما كان يرغب الكثير في تسميتهم إلى رسم تلك الصورة المثالية عن العالم في أذهاننا، وشحن وعينا بتلك المثاليات والكماليات، كمن جد وجد ومن زرع حصد، أو الصمت حكمة، أو إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، صحيح لكنل السكوت الذهبي الذي قصدوه لم يكن سكوتنا عن الحمقى بقدر ما كانوا يقصدون أن نرى حقوقنا أمامنا تسلب ومع ذلك نسكت، فمقولة لن يضيع حق وراءه مطالب لم تعد سارية المفعول، لأن لاحق يضيع اليوم سوى من وراءه مطالب.

 

لطالما تعودنا أن نتأثر بأناس لحد القداسة، وهنا كانت نقطة ضعفنا، خصوصا إذا علمنا أن من وضعنا فيهم ثقتنا، أصبحوا ليوم ليسوا سوى آلات تحركها قوى أخرى، لخدمة مصالحها

هذه الكماليات أو دعونا نسميها مرتكزات التي كانوا يعتقدون في وعيهم أنها يمكن أن تكون أمارات نستعين بها في سعينا لتحقيق أحلامنا ورغباتنا التي سألونا عنها في أول يوم في المدرسة، في الحقيقة لم تكن سوى مخدر أخلاقي على حد تعبير نيتشه. في الحقيقة لست ضد تلقين النشء هذه الأمور، وإنما أنا ضد تلقين النشء أمور تتنافى والواقع المسموم الذي نعيشه، فهذه الصور التي حاولوا رسمها ونحتها في مخيلتنا لم تلبث وأن تحطمت مع أول مواجهة مع هذه الحياة الموبوءة، وحتى صورة المعلم والأستاذ الفاضل والواعي والمربي اندثرت وأضحت كالصريم -مع استثناءات طبعا-، كيف لا وأنت ترى أن الفساد اليوم لم يعد حكرا على رجل السياسة أو المنحرف أو المجرم بل أن الفساد الذي تغلل في منذ عقود في أنظمتنا التعليمية والاجتماعية، ها هو اليوم يتغلل حتى في نفوس من يطلق عليهم بالنخبة والصفوة.
 
فبين سلطة المثقف ومثقف السلطة خيط رفيع، فمن المستحيل في يومنا هذا أن يكون للمثقف سلطة خارج الحدود التي تمنحه إياها النظم السياسية والاقتصادية، فإذا كان الربان الذي يقود السفينة مقيدا إما برضاه أو رغما عنه، فما بالك بالجماهير التي تركب السفينة، الجماهير التي برمجت على السير وفق نظريات هؤلاء، فإذا اخترقت البرمجية الأولى حتما ستضيع الجماهير في دهاليز المستقبل، كقصة الرجل الذي تعود أن يأتي بالماء من إحدى السواقي على حماره فكان يربط دلوين بحبل يضعهما على ظهر حماره يملأ أحدهما رملا والآخر ماء ليتوازنا، فالتقاه مرة رجل عند الساقية، فاقترح عليه أن يملأ كلاهما ماء وهكذا يستفيد من دلوين ماء بدل واحد، فأعجب الرجل بالفكرة وقرر تطبيقها ولكنه سأله قبل أن ينصرف من أي علية (كبار) قوم أنت؟ فأجابه: لست سوى رجل بسيط، لست من علية قوم من الأقوام، فانتفض الساقي في وجهه: ويحك لست من علية القوم وتشير على الناس.

 

هكذا نحن بالضبط لطالما تعودنا أن نتأثر بأناس لحد القداسة، وهنا كانت نقطة ضعفنا، خصوصا إذا علمنا أن من وضعنا فيهم ثقتنا، أصبحوا ليوم ليسوا سوى آلات تحركها قوى أخرى، لخدمة مصالحها في زمن أصبحت فيه المادة تسير العقل بعدما كان العقل هو الذي يستثمر المادة، لهذا فليس ما بني على باطل هو باطل فقط، بل حتى ما يأتي من أهل الباطل فهو باطل وإن كان حقا، واعذرونا لأنا كنا أغبياء وسذج فهكذا أردتمونا أنتم، وقد نجحتم لأنه كان حريا بنا أن ندرك قبل الآن أنه، حتى الأمر الذي يأتي من غير مأتاه هو الآخر غدا لا يستغرب.