أزمة معاني التَّدَيُّن

blogs- مسلمة

ومن شر ما ابتليت به الأمة، هذه الدهور الآنية؛ التدين الخالي من جميع معاني الديانة، إنه "تدين مظهراتي"، إنه الخواء الروحي الذي يقلب المعاني الروحانية لتصير مقيدة بالمعاني المادية، او بالأحرى شلل تكابده نفوس عليلة تحاول رفع سقف مكاناتها فقط عند "جوكر" المُرَاءَاة أو الترائي بالصفات الخارجية التي تُركب زلفى، أو كبطاقات عبور سارية المفعول فقط، لمقارعة القشور السطحية المادية، كحوزة العظمة لدى المجتمع، أو حوزة كلمات تصك نقدا متداولا عن صاحب ذاك الزيف الديني، أو تسويق نمطية الإنسان "ذاك الفلان ملتزم" و"فلانة بنت ناس" وما إلى ذلك، من سيميائة دلالات تحت الانقياد، قيود التباهي قيود التعاليق وقيود الأضواء الكاشفة..

 

فنفقد رزنامة المعاني القيمية الدلالية، الصادقة بالروح التي تكون مقصدا ساميا في تداولها (القيم) أو بصمات خفية سائرة النفع الاجتماعي والفردي، علي المستويين الحاضر الدنيوي، والقابل الأخروي، بجمالية الإصلاح العميق الذاتي الانطلاق المشع بما سَبَر من سبل خفية تمسح الواقع بيد الصلاح، او حتى جهرية تعلم الانفس الأخرى من حولها، أن الإصلاح الذاتي الروحي، فلسفة الحياة الأبدية، وما كان للترائي فيذهب جُفاءً.

 

تراث الأمة وبخاصة التراث الصوفي الأخلاقي، كشريك أساس في هذا الإصلاح يجب اعتماده كسطح أول تُبْنَى عليه التربية وقولبة فلسفات الحياة، وبتجديد الخطاب المقاصدي

وكما قال أحد المفكرين، د. محمد الحراق، في مقاله على أحد أعداد مجلة أفكار المغربية: "أن القيم فقدت المعنى لا التجلي"، فذاك التجلي هو يدور حول معان فارغة، وكذا التدين هو الآخر، قد فقد المعنى، حيث الممارسات القيمية العكسية أو بأكثر توضيح المتناقضة المتنافية مع أسس المقصد الديني والقيم الدينية، فتجد الهُبَّة الجسمانية والشكل المظهري يوحي بالهَيبة الدينية المُبجلة، ولكن تجد الجُبة وأفعال تلك الهياكل النمطية، هي في تناقض تام مع القيم الدينية والتعاليم الروحية والمقصد الأخلاقي، والتربوي للدين الإسلامي الذي جاء نورا بجميع ما تحتاجه البشرية من سبل للعيش، تحت وازع القيم، والاخلاقية الإصلاحية من عمق الأرواح إلى ظواهر الأبدان في الحياة العامة.

 

ومن خلاله نعتبر بكلمة النحن ونطق النحن؛ أننا في مسالك غير ذي مقاصد، تخدم الإنسان لجميع حيواته الآنية أو ما بعد رحيله المحتوم إلى الأُخروية. هذا التنظير قليلا ما يَحْسُبُه فينا بعض من أناس تعقلت بفلسفات الحياة الصالحة، وتمسكت بالديانة لُبًّا وجَوْهرا ولِبَاسا. ولعمري إنا الإحسان لَمسلَك للتصحيح، باستحضار المراقبة الأبدية في كل حين ووقت من الله تبارك وتعالى، فإن كان ذاك الحُسْبان متجليا عند جميعنا في جميع طبقاتنا المجالية، لَصَلُحَت كلها، واجتمع لنا المجتمع القيمي الصالح، الذي أصبح أملا يراود الجميع وكل واحد، يسعى ان يرى الصلاح في الآخَرِ، غير آبه بنفسه، ونظرة الآخر لأوله معكوسة تماما. وهذه الهَفْوة صارت تَتَوَسَّعُ بشكل كبير، يُقَدَّرُ بقدر مسافة تباعدنا مع الشق الأخلاقي الصوفي، والوجداني العامر بالنسك الإسلامية والشمائل المحمدية، على صاحبها الصلاة والسلام.

 

إن تراث الأمة وبخاصة التراث الصوفي الأخلاقي، كشريك أساس في هذا الإصلاح يجب اعتماده كسطح أول تُبْنَى عليه التربية وقولبة فلسفات الحياة، وبتجديد الخطاب المقاصدي بل وتقديمه من أوله كنبيذ يجب أن تسود ريحه المجالَ كلَّه، وتتغذى منه القلوب جميعُها، ثم يُؤْتَى لنا بتفاصيل تجديدية، تحقق ذلك التوازن المطلوب بين الروح والجسد، بما يدفع للمُصالحة الإصلاحية، ويَسْبُرُ عِلَلَ المجتمعِ لِتَطْبِيبِها، من خلال التَّقْيِيم الحضاري البناء، على حساب التقييم الحضاري الميوعي والموضوي حتى في الأخذ بالديانة. الذي يبرز جَلِيًّا فينا يقتل الخصوصية والماهية والهوية. إن الأخذ بالتراث المقاصدي والأخلاقي حتما بل وقَطْعًا هو بَلْسَمُ هذه الحياة الزَّائِفَة.

 

خِتاما نُشَدِّد أن ما سلف قوله ليس تعميما، إنما أصبح نمطية أصبحت متجلية على المجتمع، فهناك من هم ظاهرهم كباطنهم، أرواح مفعمة بالإيمانية الحَقَّة، تحملها صور تدل على تلك الجمالية، ونشدد كذلك في آخر القول ارتباطا بأوله، إن ركوب الدين والتدين للوصول المادي والغايات المادية، لهو تدين فارغ الجوهر مردودٌ، سريع النفادِ، لا تطول آثاره النفعيَّةُ، لتشمل العموم بشكل أوسع والزمن بقدر طويل، ولا يكفي رصيد ذلك أن يكون محفوظا ليوم العرض. آمننا الله وإياكم في الدارين آمين.