هل تستسلم أمريكا للشوفينية؟

BLOGS ترمب

ليس ثمة من عنوان يليق بالولايات المتحدة اليوم غير العبث والجنون. ماذا لو كنا بدلا من ذلك نفهم ونقرأ هذه العنونة المستفزة كنوع من التعسف أو التجاوز؟ تعسف على الواقع الذي يتجاوز حماقات ترمب نفسه وما يصاحبها من فوضى وردود فعل متشنجة، وأن العالم المعاصر يسير بخطى متسارعة نحو "ديموقراطية" سخيفة تبدو فيها حماقات الرئيس أشياء صغيرة جدا.

 

ما من شك أن دونالد ترمب يفتقر للمعرفة والمزاج والحكمة التي يتطلبها منصب رئيس أهم دولة في العالم وما كان يليق بالأمريكيين أن يسمحوا له بالاقتراب من المكتب البيضاوي أصلا. ألم يحذر يوجين روبنسون كغيره من المفكرين والباحثين والأكاديميين والإعلاميين الأمريكيين غداة فوز ترمب بترشيح الجمهوريين من الخطر الذي تمثله هذه النزعة؟ ألم يكتب بأن "الأمريكيين الجمهوريين يرشحون دجالا لأهم منصب بالعالم"؟ وبأنه "بعد سنوات من الآن سيسأل الأطفال أجدادهم أين كانوا عندما تم ترشيح ترمب، وسيكون عليهم آنذاك التواري خجلا"؟

لكن هناك مبرر قوي لقراءة ما يجري من أحداث في سياقات أعم. ترمب يمثل هوية منغلقة حول العرق والدين والخصوصية الثقافية باتت تتشكل داخل النسيج المجتمعي الغربي وتتقوى بشكل ينذر بمزيد من التوتر والقلق في العالم. ما يفعله ترمب؛ الرجل الذي أصر الجميع على وصفه بالمعتوه والصاخب والمزعج، ما هو إلا صدى لصوت يصدح بالانغلاق والتصادم. حتى الجدار الذي ينوي تشييده على طول الحدود الجنوبية مع المكسيك سبقه جدار غزة بفلسطين وجدران أخرى تبنيها اليوم دول أوروبية كالمجر؛ البلد الذي طلب رئيس وزرائها، فيكتور أوبان، وبلغة إقصائية واضحة وقاسية، من أوروبا "طرد مهاجريها المسلمين حتى تبقى أوروبا مسيحية."

ترمب ليس الوحيد العازف الماهر في جوقة التوتر والخوف والقلق بالعالم وأن النغمات الحزينة تأتي مسامعنا من عازفين ماهرين آخرين؛ فرنسيين وألمانيين وروس وفرس وعرب ومسلمين

صحيح أن شخصية دونالد ترمب غير مستقرة، غوغائية وشعبوية إلى حد ما وعلى جهل بارز بخبايا الفعل السياسي الأصيل. لكن، حصر التأويلات والتفسيرات في هذا الجانب فقط لا تخدم أية غاية في فهم أصيل ومعقول لما يجري من أحداث. إذا ما اخترنا النظر، مبدئيا، فيما يشير إليه بعض الأكاديميين الغربيين، نجزم بأن القناعة الآن تحوم حول عنصري الخوف والقلق في الغرب عموما. أي، في هذه الحلقة المغلقة والمظلمة التي تحوي بداخلها أبشع مشاعر الكراهية والرفض..

علينا أن نتذكر أن كل ما يفعله ترمب ما هو إلا صورة معكوسة لواقع الأمس القريب بأوروبا وأمريكا. واقع كانت ينتصر فيه الغرب على حاجز الخوف وهو اليوم، للمفارقة العجيبة، ينتصر له. علينا أن ننظر فيما هو أعمق وأبعد؛ فيما يشكل القلق الكبير في الثقافة وفي نزعة العالم المعاصر إلى الانعزالية والانغلاق.. إن كان من داع للريبة أو التشكيك في هذا الطرح، نسأل: أليس ترمب مجرد نسخة أمريكية لشوفينية فلاديمير بوتين في روسيا وطيب رجب أردوغان في تركيا ومارين لوبان في فرنسا أو فيكتور أوبان في المجر؟ أليست مواقفه من ألمانيا واليابان، مثلا، أو من حلفاء أمريكا التقليديين صورة مماثلة لمواقف هؤلاء الشوفينيين المنغلقين؟ ثم إذا ما اعتبرنا أن كل ما اتخذه من قرارات نوعا من الخروج عما كان حتى بالأمس القريب من المألوفات في السياسة، ألا تجسد خرجته صورة مماثلة للبريكسيت البريطانية وإن في سياقات مختلفة؟ 

الحقيقة الآن، أننا لازلنا "نعيش بمزاج ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر" وهو بالقطع مزاج صعب ومرهق.. الحقيقة الآن، أن العالم يعيش حقبة زمنية شبيهة إلى أبعد الحدود ببدايات القرن العشرين. أي، إلى مرحلة تشكيل القوى وتحديد الأدوار وتوزيع مناطق النفوذ ويبدو أن دونالد ترمب وفريقه يعي جيدا هذا الواقع وهو مستعد على ما يبدو، وبقدر يفوق توقعات أكبر المتشائمين منه، للمجازفة والمخاطرة.

 

الأكيد أن ترمب ليس الوحيد العازف الماهر في جوقة التوتر والخوف والقلق بالعالم وأن النغمات الحزينة تأتي مسامعنا من عازفين ماهرين آخرين؛ فرنسيين وألمانيين وروس وفرس وعرب ومسلمين. ترمب ليس وحده، وما هو إلا جزءا صغيرا من مشاكل العالم المعاصر. عالم تبني فيه أمريكا وأوروبا الستائر الحديدية. عالم يبني فيه الإنسان الأوروبي والأمريكي المعاصر حدودا للعقل والذاكرة والقيم الإنسانية. حدود نفسية ومعنوية قاتلة للجميع؛ سواء لأولئك الذين يعيشون أو محاصرون بداخلها أو لمن هم الآن بالخارج يترقبون في صمت… 

عندما بادر القاضي الفيدرالي بمقاطعة واشنطن جيمس روبارت بإصدار قرار قانوني بإلغاء كل الإجراءات التي اتخذها دونالد ترمب في قضايا الهجرة، غرد الأخير على عادته بموقع "تويتر" بأن "أمريكا تعيش مشكلة كبرى". بمعنى أصح، تعيش ورطة حقيقية. لقد كتب البروفيسور غوردن آدمز في مقال له بصحيفة "نيويورك تايمز" أن "ترمب بدأ عهدته الرئاسية بطريقة صاخبة قد تكون تداعياتها على البلاد وعلى العالم كارثية".

 

من المعقول جدا أن يتبادر لذهننا أولا الشعور بالصدمة من حالة الفوضى والتشويش التي ترتبت عن قرار ترمب بمنع مواطني سبع دول إسلامية واللاجئين من دخول تراب الولايات المتحدة. بيد أن الخطر، حقيقة، مما قد يلحق هذه الخطوة من خطوات ومن ردود أفعال بقية الأطراف. لقد أعقب القرار تصريحات استنكار قوية من فرونسوا هولند وأنجيلا ميركل، وردت إيران بتدريبات عسكرية ورسائل تحدي واضحة، ونبهت الصين إلى المخاطر من تصعيد لهجة العداء تجاهها. لقد بدا وكأن دونالد ترمب يلعب فعلا بالنار…

الشعلة التي تمثل الحرية في أمريكا ستثبت أنها أقوى من ظلام الشوفينية والهوس المخيف من الآخر المختلف؛ من المسلمين تحديدا
الشعلة التي تمثل الحرية في أمريكا ستثبت أنها أقوى من ظلام الشوفينية والهوس المخيف من الآخر المختلف؛ من المسلمين تحديدا
 

متى تجاوزنا كل هذه المشاعر العفوية، أدركنا حاجتنا إلى النظر في نقطتين بالغتي الأهمية؛ أولا، أن ما يفعله الرئيس الأمريكي وما يترتب عليه محليا يخلخل كل المفاهيم والضوابط والتقاليد التي تحكم السياسة الأمريكية ويضر بصورتها كدولة مؤسسات متجانسة. اليوم تشهد البلد تداخلا أشبه بالصراع بين السلطة التنفيذية والقضائية وعدائية كبرى بين شخص الرئيس تحديدا والإعلاميين على نحو لم تعهده الولايات المتحدة حتى زمن الحرب.

 

لطالما عبرت الولايات المتحدة عن توازن معقول بين كل القوى النافذة فيها واشتغلت المؤسسات الفاعلة في تحديد مسار البلد في جو من الوضوح والتعاون الكبيرين. اليوم كل هذا التاريخ الذي أسس فعلا لفن الحكم بالولايات المتحدة بالعالم ينهار وتتلاشى معه صورة ذلك البلد الديمقراطي الذي يحلم به الجميع. لقد نشرت مؤخرا مجلة "دير شبيغل" الألمانية رسما للفنان الأمريكي الكوبي إيديل رودريغيز يظهر الرئيس الأميركي وهو "يحمل بيدٍ رأس تمثال الحرية وبأخرى سكينا تقطر دما" مصحوبا بعبارة "أميركا أولا"؛ شعار دونالد ترمب. هل يعني هذا الشعار أن كل شيء آخر؛ بما فيه القيم والحقوق والمبادئ، يأتي، في عهده، ثانيا وربما أخيرا؟ لا نملك غير الجواب بنعم! 

ثم أن هناك ما يشبه الانقلاب الناعم على تقاليد الحكم بالولايات المتحدة وبأن الرئيس وفريقه المحيط به يميل بشكل مفضوح نحو عسكرة الحكم. من الصعب طبعا العمل الآن على تقويد العملية الديمقراطية التي عملت أمريكا على امتداد قرنين من الزمن على بنائها والعودة إلى الوراء بعد كل هذه السنين من المعاناة والتضحيات. لكن ما نلحظه هو أنه على مدى السنوات السبعين الماضية، أصبح الجيش المؤسسة المهيمنة في رسم طريقة تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع العالم. على وجه التحديد، منذ ما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب وغزو العراق وأفغانستان وكل تلك الأحداث الرهيبة التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011.

السماح لضباط الجيش بتحمل المسؤولية المباشرة عن الأمن الوطني والسياسة الخارجية؛ وهو أمر حاصل وقائم تحت إدارة ترمب، يعزز الاتجاه نحو عسكرة السياسة و يقوي المخاطر من تدعيم ما يمكن تسميته "سلطة المعبد العسكري" الذي حذر الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور منه كثيرا في خمسينيات القرن الماضي. هل تستسلم أمريكا لنزعة الخوف هذه التي تغذيها المؤسسة العسكرية؟ هل تستسلم لشطحات رجل مجنون؟ قد نمني النفس بالرجاء، أو إيماننا بأن "الشعلة التي تمثل الحرية في أمريكا ستثبت أنها أقوى من ظلام الشوفينية والهوس المخيف من الآخر المختلف؛ من المسلمين تحديدا، لدى ترمب وأن الأحرار الحقيقيين بالبلد سيناضلون من أجل الاحتفاظ بكل القيم الإنسانية النبيلة وسينتصرون في النهاية."