لن أعيشَ على كَوكب الأرض!

مدونات - كتب عالم الكتب
لطالما بحث العلماء عن حياة أخرى خارج كوكب الأرض، لكنهم لم يهتدوا إلى ضالتهم، ولطالما وافقهم في ذلك سكان كوكب الأرض جميعًا، لكن الغريب في الأمر أنه بعدما كابدوا عناء البحث ومشقته لم يصلوا إلى بغيتهم رغم وجود كوكب لا يبعد إلا أمتارًا عنهم، ولا يحتاج منهم سفر سنين ضوئية، أو تكاليف باهظة ليصلوا إليه، فهم غافلون عن معرفته كل الغفلة، فهل لديك من الشجاعة والرغبة ما يكفيك لأخبرك سبيل هذا الكوكب؟

طبيعة كوكب الأرض
إن الحياة على سطح الأرض شاقة، ومعايشة الناس عليه ليست بالأمر الميسور؛ إذ يتعين عليك مخالطة من في الأرض جميعًا حتى تهتدي إلى الذين يشبهونك وترتاح لهم، وفي سبيل ذلك ستعاني البشر وأفعالهم، وتدفع ثمن أعباء الآخرين، ولكن -رغم ذلك- لن تفوز بطائل، وسيظل الأمر كما هو، فالحياة ثابتة، وكل ما تشاهده صباحًا سيظهر كل يومٍ أمام عينيك، وما تقوم به في العمل يوم الأحد ستقوم به يوم الخميس، وتدور الأيام وتقع فريسة براثن الملل.
 
واليوم سأدلكم على الطريق إلى كوكبٍ آخر يختلف عن الأرض كثيرًا، كوكبٌ تميزه العجائب، وتزينه التجارب الفريدة، إنه كوكب الكُتب، فضاء آخر ينتجه عقل الإنسان، أبعاد جديدة يطرحها عليك الكاتب، الكُتب عالم آخر، شوارعه سطور، ومصابيحه كلمات، أبنيته جُمل، وأشجاره مرادفات، نهاره فكرة مضيئة، وليله غموض مظلم، أمطاره شعور رقيق، وشمسه أسلوب عذب تستهويه النفس.
 
واللحظة التي تفتح فيها كتابًا جديدًا، ليست لحظة عادية ستمر كما يمر غيرها من اللحظات؛ فأنت تفتح باب ناحية جديدة من هذا الكوكب، أنت على موعِدٍ مع إضاءة مناطق مظلمة في عقلك، وما أشبه عقل الإنسان إذ يقرأ بالبيت الذي يبنيه صاحبه! فكلما قرأت سطرًا ترجمه عقلك معلومة جديدة، أضأت جزءًا مظلمًا من عقلك حتى يكتمل بناؤه، الآن فلنتعرف على طبيعة هذا الكوكب، ونكتشف حدوده، ونعرف أكثر عن العيش فيه، وعن سكانه، ونعقد مقارنة بين ما سنجده عليه وما نعيشه على كوكب الأرض.
 
طبيعة الكوكب
لا يتطلب الأمر منك أكثر من ساعة نهار أو هزيع ليل، تبتعد فيهما عن الحياة وإرهاصاتها الكثيرة، لتنفرد بكتابٍ تحبه، وتعيش معه بين الصفحات متأملًا، منقبًا، مستمتعًا، فيمنحك التأمل لغة ناصعة وفكرة لامعة

عالم الكُتب واسعٌ والقارئ فيه حر نفسه، لا إجبار عليه لقراءة هذا أو ترك ذاك، متنوعٌ فيه من كل الألوان أصنافٌ، نافعٌ فيه المعرفة والاستفادة، حتى الغث منه نافع؛ إذ يجعلك تفرق بين الجيد والردئ، في عالم الكتب كل الناس سواسية، فلا تفضيل لبشر على بشر، التفاضل في التحصيل والإدراك فقط، في عالم الكتب لا يوجد كره، ولا حقد، ولا ضغينة، كل الذين يقرؤون يؤمنون بالحب والخير، يراعون حسن الجوار، يعرفون معنى الإيثار، في عالم الكتب لا نفاق ولا تكلف؛ فالذين عاشوا بين سطور الكُتب، واستفادوا منها يعرفون جيدًا حقيقة الحياة الاجتماعية التي يرغبون عيشها لا التي يفرضها المجتمع.

حدود الكوكب

لا شك أنه لا يوجد حدود لكوكب الكُتب، ولكن يوجد معطيات يمكننا التعرف عليه من خلالها، فمن الكُتب ما هو أدبي تعيش معه واللغة، تقرأ فيه قصص ممتعة، وتعرف منه شخصيات نافعة، ومنها الديني تعرف به الله أكثر، وتتعلم منه أمور دينك، ومنها الاجتماعي، والسياسي والاقتصادي، والثقافي، والفكري، والتاريخي تقرأ فيه الماضي، وتأخذ منه العِبرة، وتصبح أكثر دراية، وكل بابٍ من هذه الأبواب عالمٌ آخر بلا نهاية؛ فعلى خلاف طبيعة كوكب الأرض الثابت المساحة والتضاريس والشكل، فإن عالم الكُتب متغير، كل يومٍ فيه إضافة جديدة، وشكل مختلف، فلا يكاد القارئ ينهي جزءًا حتى يأخذه الشغف إلى الجزء الجديد.

سُكان الكوكب
إن أكثر ما يميز هذا الكوكب أن الذين يقرؤون نفس الكُتب والمؤلفات يلتقون فيها حتى لو لم يكن اللقاء في الواقع؛ إذ تجمعهم نفس الشخصيات، والأحداث، وربما الشعور ذاته إن لم يختلفوا فيه، ولذلك عندما يلتقون في الواقع لا يكون هذا اللقاء الأول، وكثيرًا ما قابلت أناسًا لأول مرة، وشعرت تجاههم بانجذاب غريب، ورغبة في الحديث مستمرة، عندما أسمع لهم حديثًا قصيرًا، وكأني أعرفهم منذ زمنٍ بعيد، كأن هناك رابط خفي يجمعني بهم، حتى إذا ما عرفتهم أكثر، تبين أنهم يقرؤون الكتب ذاتها التي أقرأ، كمثل الذين يقرؤون للرّافعي بصورة مستمرة، فهم متشابهون تجمعهم العاطفة الأخاذة، ويوحدهم الاستمتاع باللغة وجمال بلاغته، وروعة أسلوبه، أو الذين يقرؤون لنجيب محفوظ وتجمعهم فلسفاته الكبيرة، وواقعيته القريبة، هؤلاء دائمًا ما يشعرون وكأن كل الذين يتعاملون معهم في الحياة أصبحوا جزءًا من روايات نجيب محفوظ.
 

تكلفة الكوكب
  
undefined
 
لا يتطلب الأمر منك أكثر من ساعة نهار أو هزيع ليل، تبتعد فيهما عن الحياة وإرهاصاتها الكثيرة، لتنفرد بكتابٍ تحبه، وتعيش معه بين الصفحات متأملًا، منقبًا، مستمتعًا، فيمنحك التأمل لغة ناصعة وفكرة لامعة، وملكة قوية تجيد بها صياغة الأفكار العظيمة، ويجعلك التنقيب أكثر إلمامًا باللغة وأساليبها المختلفة، ومرادفاتها المتنوعة، وهذا ما يعود عليك بمتعة العيش بين الكتب والاغتراف مما فيها من كنوز ودُرر، ولكن التكلفة الأشد وقعًا هي مكابدة ذلك الوفاء، الذي لا يتطلب استمرارا عهدك مع أصدقائك الكتب فقط بل يتطلب أن تتخلص من كل عهد أبرمته مع صديق لك قديم.
 
عوامل العيش على الكوكب

على عكس سكان كوكب الأرض الذين يتحملون المعاناة غصبًا ويجتهدون دون شغف أو طموح، لاكتساب قرشٍ؛ يسدوا به جوعًا، أو يرفعوا به ظمًأ، أو يتنعموا به في الحياة، كي تعيش في كوكب الكتب لا بد وأن يكون لديك دوافعك الناشئة عن حبك لما تقوم به، كالصبر على البحث وبذل الجهد، والتحقق من كل ما تكتب أو تقرأ، والتضحية في سبيل القرب من أصدقائك الجُدد، والتملق، فكما تتملق لسلاطين الأرض، عليك أن تتملك لأساطين الكلِم.
 

صداقة الكُتب
الذين يقرؤون يعرفون جيدًا معنى أن تبدأ كتابًا جديدًا، إنها رحلة عظيمة مع رفيق عظيم، سيرافقك طوال يومك، في حقيبتك، في مواصلاتك، في الشارع أحيانًا، في المساء والقمر ثالثكما، وقتما تشتد عليك الحياة مللًا، الكُتب كائنات غير حية، لكننا بعدما ننهي كتاب ونتأثر بما جاء فيه من أفكار ونعيش أحداثه، تترك فينا أشياءً حية لا تموت، تترك فينا الكُتب أثر المعرفة، ونور العلم، إن جزءًا كبيرًا من الحب في قلبي يشغله كتاب قيم، أو رواية ممتعة، أو قصة هادفة، أو جملة موزونة، أو كلمة في محلها، الوقت الذي تضيق فيه الأرض عليك وينفض الجميع من حولك، ستظل الكُتب رفيقك الأبدي، وصديقك المُخلص، وعينك التي لا تنام.

الرجوع
 
undefined
 
الذين يدخلون عالم الكُتب ويعيشون فيه حياة طويلة، وتتغذى عقولهم على الكلمات، وتُطرب آذانهم لجملة أخاذة فيها المعنى العظيم، والأسلوب القويم، والمرادف البليغ، يعرفون جيدًا أنه من الصعب الخروج من كوكب الكُتب إلى كوكب الأرض نهائيًا؛ إذ تستأنس أرواحهم بالكُتب رفاقًا، ويجيدون بين سطورها من الصدق والصراحة ما لم يجدونه في أعين البشر، فتقوى أواصر المحبة، وتصبح الكُتب ظلًا لا يفارق صاحبه، وهل هناك أفضل من صديق يحدثك بصراحة، ويرافقك في ود، وينفعك بإخلاص، ويحزن لفراقك عندما تُنهيه كأنه بشر؟
  
بعض الذين دخلوا هذا العالم، استشعروا الفجوة بينهم وبين عالم الأرض، ولأننا أرضيون من الدرجة الأولى نعيش فيها، ونأكل منها، سيأخذنا الحنين إليها، وتضطرب أقدامنا ونود الرجوع؛ إذ ينشأ الصدام الحتمي بين نفسك التي عاشت في كوكب الأرض ونفسك التي انتمت لكوكب الكُتب حديثًا، في النهاية علينا أن نحاول وزن الأمور ما بين عالم الكُتب وعالم الأرض، رغم كونها معادلة صعبة وعسيرة، إلا إن دوام المحاولة ختامه الوصول.
 

دعوة

إلى كل الذين يقرؤون هذه الكلمات، تعالوا إلى كوكب الكُتب، سيروا في أحيائه، تنفسوا من هوائه النقي، واشربوا من أفكاره المضيئة، لا تجعلوا أنفسكم حبيسة الأرض، جربوا العيش فيه، والغنيمة من حقوله، لا تحكموا على عقولكم بالأشغال الشاقة المادية، اقتربوا قليلًا، فالمسافة قصيرة، افتحوا نوافذكم واتركوا نور الكُتب ينير حياتكم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان