ليس وداعاً بل إلى أن نلتقي

blogs الموت

في كل يوم يمُر كانت تبدو الحياة لصاحبنا قاتمة وكئيبة، وبرغم كونه ليس وحيداً إلا أنه يشعر بالوحدة؛ فالألم والحزن الخوف والقلق كلها أشياء تختبرها وتشعر بها وحدك ويبقى التعاطف نوع دعم لا اقتسام لها.. ‫كان يسأل نفسه دائما لماذا يذهب الوقت بالعمر والدمار بداخلي لا يهدأ، وكأن الحزن والألم قد انغمسوا في هذا الجسد وصاروا قطعة من تكوينه، حتى قرر أخيراً أن يذهب إليها يبوح لها عله يخفف من ثقل ما تئن به روحه.

قال لها: أعلم أنه ليس مُرحباً بي هنا، ولكني لم أستطع التحمل أكثر، فشوقي إليكِ يزداد، فأجابته: وهل خف شوقك عندما جئت؟ وهل ستذهب بعد لقائنا أحسن حالاً؟ أكرر نفس الكلام الذي مللته كل مرة علك تفهم، علك تقتنع، ولكنك كعهدي بك عنيدٌ تسمع فقط ما يمليه عليك قلبك، ظننتُ أن مرور السنوات قد يستطيع ترويض عنفوان مشاعرك ولو قليلاً لتمضي بحياتك وتسعد بها بدوني، فكلانا يعلم أن الرحيل لم يكن باختياري، وتعلم أنني لم أحب في عمري أحداً سواك ولكنه القدر، قدرنا رفض أن نبقى سوياً وكان من العبث أن نحاول مقاومة القدر، لم يكن بأيدينا شيء سوى أن نفترق، وقبل فراقنا رجوتك أن تنساني وتتزوج لتحقق ما كنا نحلم به معاً، أردت أن يكون لديك المنزل والأسرة، أن تنجب أطفالاً وتغمرهم بالحب الذي يملأ قلبك.

صمت قليلاً ثم نظر إليها قائلاً: تمنيت أبناءاً ليكونوا رابطاً جديداً يقربنا أكثر، حلمت بأسرة ومنزل ليجمعاني بكِ أنت وليس بامرأة أخرى، فقد كانت جميع أحلامي بكِ ولك، ولا أنكر أن زوجتي سيدة جميلة شكلاً وخُلقاً، لكن كلما زادت طيبتها معي يزيد إحساسي بالذنب، أحاول جاهداً أن أبادلها حبها ولكني لا أقدر، كثيراً ما كانت تجدني سارح البال مبتسم الشفاه فتفرح ظناً منها أن الابتسامة لها، غير مدركة أن أغلب الأوقات التي كنت أبتسم فيها كان السبب يرجع لكلمة أو موقف يضيئوا نور ذكراكِ بداخلي.. لم أنساكِ أبداً، ولكن كانت تمر أوقات أشعر فيها بأن انشغال العمل أو مسؤولية البيت قد وضعوا غطاء ثقيلاً فوق مشاعري تجاهك يُبهت بريقها قليلاً فأظن واهماً أنني قد نسيت، ولا يمر الكثير من الوقت حتى أسمع أحداً ينادي باسمك أو أرى عيوناً تشبه عيناكِ، فيكون هذا كفيلاً بأن يكوّن شرارة تشعل نيران هواكي أكثر وأكثر، حاولت أن أحبكما معاً فلم أستطع، وكأن الذنب الذي يأكلني لم يكن كافياً، وأنتِ صرت تبخلين علي حتى بهذا اللقاء السري كل بضعة شهور أو أعوام، هذا اللقاء الذي قد لا يتجاوز بعض دقائق ولكنه يمدني بالحياة كلما شعرت أن جسدي قد أصبح هيكلاً خاوياً يتنفس بحركة آلية بدون الشعور بشيء.

مر اللقاء دون أن يشعر بأن هناك شخص ثالث يراقب حديثه الصامت معها، فقد كان حارس المدفن يراقب الرجل وهو يقف أمام قبر محبوبته يناجيها بعينيه دون أن ينطق بكلمة

قاطعته قائلة: طلبت عدم اللقاء عندما شعرت بمعاناتك من الذنب تجاه زوجتك، كنت أخشى أن يأتي اليوم الذي تراك فيه معي فتعلم بأمرنا وينهدم بيتك بسببي، كما آملت أنه إن توقفنا عن اللقاء فستسطيع نسياني وعندها تتخلص من عذاب ضميرك، ولا تخدع نفسك، لم تكن ستستطيع حب كلانا في نفس الوقت، كان يجب أن تقدر على التخلص من لعنة حبي أولاً ليرحب قلبك بحبها، كنت أعطيك الفرصة لتستطيع نسياني.

ظل الحديث يدور بينهما تارة والصمت تارة أخرى حتى قالت له في النهاية: يجب أن تذهب الآن فالوقت مر سريعاً دون أن نشعر، أعلم أنك عنيد جداً ستأتي مجدداً حتى وإن رفضت أنا، ولكني أتمنى أن يكون هذا أخر لقاء يجمعنا.. الوداع. صمت قليلا والدموع على حافة عينيه تأبى النزول، صدره يعلوا تارة وينخفض تارة وكأنه يستجمع ما تبقى بداخله من قوة حتى نظر إليها وقال مبتسماً: لا ليس وداعاً بل إلى أن نلتقي.

مر اللقاء دون أن يشعر بأن هناك شخص ثالث يراقب حديثه الصامت معها، فقد كان حارس المدفن يراقب الرجل وهو يقف أمام قبر محبوبته يناجيها بعينيه دون أن ينطق بكلمة، يهز رأسه كأنه يسمع ردها على خواطره التي تملأ كيانه تماماً كما كان يفعل كل مرة، فطوال تلك السنوات التي مرت على وفاتها كان يرسل وروداً كل أسبوع ويأتي بلا مواعيد، قد يطول غيابه أعواماً ولكنه دائماً ما يأتي، يمضي ساعات أمام القبر ثم يعطي حارس المدفن مالاً ويوصيه أن يهتم بها ويرحل، كانت زوجة الحارس تفرح كثيراً لرؤية هذا الرجل، فهي تراه رمزاً للوفاء، وكل مرة يرحل فيها تؤكد لزوجها أنه سيعود، مهما طال الزمن سيجيئ إليها ثانية.